أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين التعددية والصراع: مؤتمر في عمّان يناقش مستقبل الهوية السورية

ناقش مؤتمر حواري نظمه "منتدى الفكر العربي" أول أمس الاثنين في فندق عمّان الدولي، إشكاليات الانقسام في سوريا وتداعياته العميقة على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية، في ظل استمرار التحديات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد.

المؤتمر الذي حمل عنوان "من نذر الإنقسام إلى إعادة البناء مستقبل النسيج الاجتماعي في سورية" وشارك فيه نخبة من المفكرين والباحثين العرب سلط الضوء على طبيعة التعددية السورية بوصفها عنصر غنى تاريخي، تحوّل بفعل الصراع وتداعياته إلى ساحة توتر واستقطاب. وأشار متحدثون إلى أن سوريا عرفت تاريخيًا تنوعًا قوميًّا ودينيًّا ومذهبيًّا شمل العرب والأكراد والسريان والآشوريين والتركمان وغيرهم، إضافة إلى تنوع ديني بين المسلمين بمذاهبهم والمسيحيين بطوائفهم المختلفة، غير أن إدارة هذا التنوع بقيت إشكالية في ظل غياب مقاربة قائمة على الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية.

وأكدت مداخلات المؤتمر الذي شاركت فيه "زمان الوصل" أن إشكالية الانقسام لم تكن وليدة السنوات الأخيرة فحسب، بل تعود جذورها إلى نمط إدارة الدولة للتعددية، حيث غلبت سياسات الصهر أو الإقصاء على منطق الاعتراف والمشاركة، ما أدى إلى تراكم مظالم وهويات فرعية مهمّشة. ومع اندلاع النزاع وتآكل مؤسسات الدولة المركزية، وعادت هذه الأسئلة إلى الواجهة ولكن في سياق أكثر هشاشة، حيث باتت تُطرح خارج إطار وطني جامع، وتحت تأثير موازين قوى محلية وإقليمية ودولية.

ورقة تفاوض سياسي
وتوقف المشاركون عند بروز المسألة الكردية في مناطق شمال وشرق سوريا، ولا سيما في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، بوصفها إحدى أبرز القضايا تعقيدًا وحساسية. فقد تداخلت مطالب الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية مع واقع السيطرة العسكرية والتحالفات الدولية، ما حوّل النقاش أحيانًا من كونه شأنًا وطنيًا داخليًا إلى ورقة تفاوض سياسي. واعتبر متحدثون أن أي نموذج حكم محلي خارج أفق الدولة الجامعة، مهما حمل من شعارات ديمقراطية، يبقى مهددًا إذا لم يستند إلى شرعية اجتماعية واسعة وتعاقد واضح مع مختلف المكونات.

مراجعة نقدية للمسارات
كما ناقش المؤتمر أثر الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية في تعميق الاستقطاب المجتمعي، محذرًا من توظيف هذه الانقسامات في الصراع السياسي، الأمر الذي أضعف الهوية الوطنية الجامعة وحوّل الاختلاف إلى مصدر غنى سلبي بدل أن يكون عنصر إثراء. وأشار الحضور إلى أن النزاع خلال السنوات الماضية لم يقتصر على المواجهات العسكرية، بل طال البنية الاجتماعية والقيم المشتركة، وأعاد إنتاج أشكال جديدة من عدم الثقة بين المكونات.

وشددت التوصيات على أن إعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري لا يمكن أن تتم من دون مراجعة نقدية للمسارات التي قادت إلى هذا التفكك، والاعتراف بالأخطاء البنيوية في إدارة التنوع. وأكد المشاركون أن إعادة البناء ليست عملية ترميم شكلي، بل فعل تأسيسي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويربط المواطنة بالحقوق المتساوية دون استثناء، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المشاركة والاعتراف المتبادل.

وفي هذا السياق، دعا المؤتمر إلى إطلاق مسار اجتماعي–سياسي يوازي المسارات التفاوضية الرسمية، يهدف إلى إعادة تعريف المصالح والحقوق والتمثيل، ويعزز الثقة بين المكونات المختلفة، بعيدًا عن منطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع. كما تم التأكيد على دور النخب السياسية والفكرية في بلورة رؤية وطنية جامعة تتجاوز الهويات الضيقة، وتضع أسس دولة قانون قادرة على استيعاب التعددية ضمن إطار ديمقراطي.

ويأتي انعقاد المؤتمر في ظل استمرار حالة الانقسام الجغرافي والسياسي في سوريا، بين مناطق نفوذ متعددة، وتحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة، ما يجعل من مسألة استعادة التماسك الاجتماعي شرطًا أساسيًا لأي مسار مستقبلي للاستقرار وإعادة الإعمار.

واختُتمت أعمال المؤتمر بالتشديد على أن التعددية السورية، إذا ما أُديرت ضمن إطار وطني جامع، يمكن أن تكون مصدر قوة واستقرار، لا عامل تفكك وصراع، مؤكدين أن الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية يشكلان المدخل الحقيقي لإعادة بناء سوريا على أسس أكثر عدلًا واستدامة.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(8)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي