أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

القتلى لا يشتكون: لماذا تسقط العدالة بشرط الشكوى الفردية

إن حصر مسار العدالة في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الشمولية بتقديم "شكوى فردية" و"دليل شخصي"، ليس مجرد قصور إجرائي، بل هو تقويض لمفهوم العدالة ذاته وتبرئة ضمنية للجريمة الممنهجة. التاريخ، الشرع، والقانون الدولي يؤكدون حقيقة واحدة: عندما تكون الجريمة سياسة دولة، فإن المحاسبة يجب أن تكون مسؤولية دولة.

أولاً: الدروس المستفادة من التاريخ (نورمبرغ إلى الأرجنتين)
لم تقم العدالة في العصر الحديث على جهود الضحايا الفردية، بل على إرادة الأنظمة البديلة في تطهير المجتمع:
- محاكم نورمبرغ: اعتُبر الانتماء لأجهزة القمع (مثل الـ SS والـ Gestapo) قرينة جرمية كافية للمساءلة. لم يُطلب من كل ضحية غُيبت في المحارق أن تتقدم بشكوى، بل كانت الأوامر والوثائق والمناصب هي الدليل.
- تجربة الأرجنتين وجنوب أفريقيا: اعتمدت على فتح الأرشيفات والاعترافات المنهجية. فالدولة هي التي تملك الدليل (الأرشيف)، والضحية تملك الألم، ومن الظلم تحميل الضحية عبء استخراج الدليل من أقبية الجناة.

ثانياً: التأصيل الشرعي (سياسة عمر ومنهج علي رضي الله عنهما)
العدالة في الإسلام لم تكن "عدالة انتظار" بل "عدالة مبادرة":
- المحاسبة بالشبهة: عزل عمر بن الخطاب للولاة (كـسعد بن أبي وقاص) لم يتوقف على إثبات جنائي كامل، بل على "الشكوى العامة" وفقدان الثقة، إعلاءً لمصلحة الأمة.
- فقه الحرابة والإفساد: التعذيب الممنهج والإخفاء القسري هو "إفساد في الأرض" وحدّ من حدود الله. والقاعدة الفقهية تنص على أن "الحقوق العامة لا تسقط بسكوت الأفراد"، والحدود تُقام بمجرد بلوغ العلم للحاكم ولا تتوقف على دعوى المدعي.

ثالثاً: التوصيف القانوني والمنطقي (أين الصناديق السوداء؟)
من غير المنطقي اشتراط حضور "المقتول" ليشتكي على قاتله، أو "المغيب" ليدل على سجانه. إن إقرار مبدأ "الشكوى أولاً" يؤدي إلى:
- إفلات كبار المجرمين: الذين أمروا بالقتل الجماعي دون أن تعرف الضحايا أسماءهم.
- تحويل الجريمة العامة إلى نزاع خاص: وكأن التعذيب الممنهج مجرد "مشاجرة" بين فردين.

الاستحقاق القانوني المطلوب من وزارة العدل:
- اعتماد المسؤولية الوظيفية: كل من شغل منصباً قيادياً في فرع أمني أو سجن عسكري هو موضع اتهام بصفته الوظيفية حتى يثبت العكس (عكس عبء الإثبات).
- استرداد الأرشيف الجرمي: في كل فرع أمني "صناديق سوداء" (سجلات اليومية، أوامر التوقيف، تقارير "توفي أثناء التحقيق"). غياب هذه الملفات هو جريمة "إخفاء أدلة" تستوجب محاكمة القائمين على تلك الفروع.

إن واجب وزارة العدل اليوم هو فتح "الدعوى العامة" ضد هيكلية القمع لا أفراده فقط. العدالة الانتقالية لا تكتمل بقضاة كانوا بالأمس أدوات في منظومة الظلم، بل بنيابة عامة مستقلة تعتبر "الفيديوهات الموثقة، شهادات المنشقين، وتقارير المنظمات الدولية" أدلة رسمية كافية لتحريك الملفات.
إن حبس العدالة في زاوية "الشكوى الشخصية" هو إعادة تدوير للجريمة بوقار القانون.

زمان الوصل
(12)    هل أعجبتك المقالة (12)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي