تعيش الحكومة السورية اليوم مرحلة انتقال اقتصادي معقدة تتمثل في التحول التدريجي من نظام اشتراكي مالي استمر لأكثر من خمسين عاماً – منذ مرحلة ترسخت فيها السياسات المركزية في عهد حافظ الأسد – الهالك إلى توجه ليبرالي يسعى لتحرير الاقتصاد والانفتاح على السوق.
هذا التحول لا يتم في بيئة مستقرة أو ضمن وفرة مالية بل في ظل تداعيات اقتصادية عميقة وبنية إنتاجية متآكلة وتحديات اجتماعية واسعة وهنا تكمن الإشكالية الأساسية والانتقال من عقلية الدولة المدارة مركزياً إلى اقتصاد مفتوح لا يعني بالضرورة استنساخ نموذج السوق الحر بشكل كامل بل يتطلب صياغة نموذج وطني متوازن يتناسب مع واقعنا.
حتى الآن يلاحظ أن عدداً من الوزراء وكبار المسؤولين هم في الأصل رجال أعمال أو أصحاب شركات خاصة ويتعاملون بعقلية إدارة السوق القائمة على الربحية وتعظيم العائد وهو أمر مفهوم في القطاع الخاصة لكنه يختلف عن عقلية الدولة التي يجب أن توازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
فالدولة لا تبحث فقط عن الأرباح بل عن تأسيس اقتصاد وطني مستدام يحافظ على التماسك الاجتماعي ويمنع اتساع الفجوة بين الطبقات وإذا لم يدار التحول بعناية فقد يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى وهي العمود الفقري لأي مجتمع مستقر.
من هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء هيئات وطنية استثمارية تتولى إدارة أصول ومؤسسات الدولة القديمة بعقلية استثمارية احترافية لا بيروقراطية تقليدية وبهدف تحقيق نمو اقتصادي مستدام وبناء مؤسسات حقيقية قادرة على المنافسة.
لكن أي إصلاح اقتصادي لن ينجح دون سياسات مرافقة واضحة أبرزها:
- توفير فرص عمل حقيقية ومنتجة
- رفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة
- دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة
- حماية الفئات الأكثر ضعفاً ككبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل وأبناء الشهداء والأسر الأشد فقراً بدعم مالي مباشر.
فالتحول إلى اقتصاد حر لا يعني ترك المجتمع لقوانين السوق وحدها بل يتطلب دوراً تنظيمياً ورقابياً فاعلاً للدولة يضمن العدالة وتكافؤ الفرص.
الانتقال من الاشتراكية إلى الليبرالية ليس قراراً فنياً فحسب بل هو تحول اجتماعي عميق وإذا لم يدار برؤية وطنية تراعي الخصوصية السورية فقد يتحول من فرصة إصلاح إلى مصدر اضطراب جديد
محمد هنداوي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية