أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عقدان على رحيل الحريري: وثائق جديدة تزيح الستار عن تحركات الأسد لمواجهة تداعيات الاغتيال

رئيس وزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري - أرشيف

صباح 14 شباط/فبراير 2005، انفجر في بيروت نحو طنين من مادة الـ "تي أن تي". استهدف الانفجار الذي ترك حفرة وسط العاصمة اللبنانية، موكب رئيس وزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، الذي قضى يومها و22 شخصاً. هذا الاغتيال فتح صفحة جديدة من تاريخ لبنان والعلاقات السورية-اللبنانيةّ، وافضى إلى انسحاب الجيش السوري التابع للأسد من لبنان في 30 نيسان/أبريل 2005.

وجهت أصابع الاتهام حينها إلى النظام السوري وحلفائه. 

اليوم، بعد مرور عقدين على الحادثة، وسقوط النظام السوري المتهم الأول في تدبير الاغتيال، تكشف وثائق من المخابرات السورية أطلعت عليها "الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - سراج" و"زمان الوصل" وموقع "درج"، لأول مرة عن الخطة التي وضعت لمواجهة الاتهامات من قبل رجل المخابرات السورية علي مملوك وأجهزة الأمن التي كان يرأس ادارتها. 

بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2005، أرسل علي مملوك، مدير إدارة المخابرات العامة حينها، إلى بشار الأسد مذكرة اطلاع، واصفاً فيها وسائل الإعلام السورية بأنها "في حالة غيبوبة حيال الحدث" الذي يتمثل في أن لجنة التحقيق في عملية الاغتيال قد تصل إلى أدلة تثبت تورط سوريا.

يقول الإعلامي السوري طالب قاضي أمين، الذي كان معاونًا لوزير الإعلام بين عامي 2002 - 2008: "ليس علي مملوك وحدهُ من كان يقول هذا الكلام، حتى رأس النظام؛، عندما يسألونه إن كان يتابع التلفزيون السوري يؤكد أنه لا يتابع الإعلام، هو يعرف ماذا يوجد عنده في الوسائل الإعلامية".

الانتقادات التي وجهها مملوك للإعلام السوري تلاها تنسيق أمني للتلاعب وبث معلومات مختلفة تشتت التحقيق، كما تكشف وثيقة عن ملخص لقاء اللجنة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال الحريري مع ضباط أمنيين سوريين. 

إذ بحسب الوثيقة تميز سلوك هؤلاء الضباط بأنهم منفتحون "على التعاون وكان تصرفهم عفوياً ومسؤولاً وجدياً ولم يظهر بأن الإجابات كانت منسقة سلفاً رغم التنسيق والتوجيهات المسبقة".



من هو علي مملوك ؟
رئيس إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) بين 2005 و2012. ورئيس مكتب الأمن الوطني السوري (منصب يُنسّق بين مختلف أجهزة الاستخبارات) ابتداءً من 2012، ثم عمل لاحقاَ مستشاراً أمنياً رفيعاً في القصر الجمهوري. فُرضت عليه عقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب اتهامات تتعلق بدوره في قمع الاحتجاجات في سوريا التي اندلعت عام 2011. وأصدرت فرنسا مذكرة توقيف بحقه عام 2018 بتهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية .

أصدر القضاء العسكري اللبناني عام 2013 مذكرة توقيف غيابية بحق مملوك على خلفية ضلوعه في نقل متفجرات من سوريا إلى لبنان. بعد سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أشارت بعض التقارير إلى أنه فر من سوريا إلى لبنان بمساعدة حزب الله، ثم إلى روسيا. 

لا نعلم بدقة ما المقصود بـ"التنسيق والتوجيهات المسبقة"، لكن ما نعلمه أن مملوك أخبر بشار الأسد عام 2006، عن لقاء بين الجانب السوري ولجنة التحقيق، وفيه اقترح على اللجنة طرح "احتمال ثالث لتفجير موكب الحريري من الجو". 

وهو الاحتمال الذي طرحه لاحقاً بصورة مواربة وزير الدفاع آنذاك، العماد مصطفى طلاس، ثم بوضوح أمين عام حزب الله وقتها حسن نصر الله، وذلك باتهام إسرائيل وأمريكا بالوقوف وراء الاغتيال.

يقول الأكاديمي اللبناني زياد ماجد: "في قضية اغتيال الحريري، اعتمد النظام السوري على بناء فيلم مفبرك". لافتًا إلى أنه ظهر في هذا الفيلم شخص مختلف اسمه أحمد أبو عدس، وجرت اتصالات أمنية حول الفيلم مع صحفيين لكي يعرض على مؤسسات إعلامية.

فيما يخص استراتيجيات النظام، يوضّح ماجد، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس، أنّ النظام السوري لطالما اعتمد في عمليات العنف السياسي والاغتيال والقتل عدة أساليب، لكن في العمليات الكبرى كان هناك على الدوام أولًا اتهام عام يهدف إلى تكرار نفس الكلام حول مؤامرات وأمريكا وإسرائيل للبقاء في موقع ما سمي بالممانعة، ويرى في أي قتل أو تخريب ما هو استهداف للأمن القومي أو للاستقرار أووسيلة لتوجيه الاتهام إلى النظام السوري.

وبحسب ماجد، هناك خطاب آخر النظام، لا ينفي فيه الجريمة بشكل مباشر خاصة، إذا اعتبر النظام أن كلفة تنفيذ هذه الجريمة غير مرتفعة. وهو يريد من خلال عدم النفي أو ترك المجال للتأويلات، أن يظهر قوة وحصانة تجاه القانون وعدم الخوف من التبعات. وهو يخاطب بذلك قواه ومؤسساته والمحيطين به بأنه يعرف ما يفعل ولا يبالي للتبعات لأنها لا تقتله، تاركًا الأمور من دون توضيحات.

النظام السوري وتدويل اغتيال الحريري 
بعد اغتيال رفيق الحريري، تسارعت الأحداث المحلية والدوليّة. إذ أعلنت الأمم المتحدة في 7 نيسان/ أبريل 2005 عن تشكيل "لجنة تحقيق دولية مستقلة" تطبيقاً لقرار مجلس رقم  1595. 

ومع تشكيل هذه اللجنة التي تولى رئاستها الألماني ديتليف ميليس، انتقل الملف السياسي والجنائي إلى مسار أمَمي، بالتزامن مع انسحاب الجيش السوري من لبنان.

وجَه تقرير اللجنة الأول، اتهامات لسوريا بخلخلة الأمن في لبنان والتدخل في الحكم، وأن الحكومة السورية "تتحمل المسؤولية الرئيسـية عن التوتر السياسي الذي سبق اغتيال رئيس الوزراء السابق السيد الحريري". كما ذكر التقرير كيف هدد بشار الأسد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، بـ"الإيذاء الجسدي" في حال لم يوافقوا على تمديد ولاية الرئيس إميل لحود، وذلك في اجتماع عقد في دمشق عام 2004 بين الحريري والأسد، واستمر 10 دقائق. 

بينما جاء في تقرير اللجنة عام 2008، أن اللجنة "تؤكد بنـاء علـى الأدلـة المتاحـة، أن شـبكة مـن الأفـراد دبرت فيما بينها لتنفيذ عملية اغتيال رفيق الحريري". 

وأضاف التقرير أنّ اللجنة "تعرب عن تقديرها لما اتخذته السلطات السورية من ترتيبات لوجستية وأمنية… وبوجه عام تواصلُ السلطات السورية تعاونها بصورة مرضية".

شهد لبنان في تلك الحقبة ترجمة عملية لتلك لاستراتيجية جديدة، فتولت وسائل إعلام مقربة من حزب الله ومن النظام السوري السابق حملة ترويج لفكرة وقوف جماعات تنتمي إلى تنظيم "القاعدة" وراء الاغتيال، سبقتها قصة الفيديو الذي "أُرسل" إلى الصحافي غسان بن جدو، وكان في حينها مديراً لمكتب "الجزيرة"، فيما يشغل الآن منصب مدير قناة "الميادين".

إذ ظهر في الفيديو المدعو أحمد أبو عدس معلناً مَسؤوليته عن الاغتيال. ولاحقاً تحولت الرواية إلى اتهام اسرائيل واميركا، وتوجت هذه السردية بمؤتمر صحفي للأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، شرح فيه تفاصيل ما يعتقد انه دور اسرائيل في عملية الاغتيال.  



نشاط استخباراتي -إعلامي سوري
بتاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 2005 أرسلت مذكرة اطلاع من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، بخصوص مشاركة شخص يدعى (س. ت) وهو عضو سابق في مجلس الشعب، ورئيس مركز أبحاث (تحول لاحقاً إلى معارض مقيم في الإمارات العربية المتحدة) قبل أيام من تاريخ البرقية، في مؤتمر حول "أمن الخليج وأمن الشرق الأوسط". وقد نقل فيها (س. ت) على لسان (ر. ض) مجريات اجتماع حضره الأخير، كان فيه "هيرمان بيرشنر" مدير المعهد الأمريكي للعلاقات الخارجية، وعضو الفريق المفاوض الذي قدم إلى سوريا مؤخراً. 

في ذاك الاجتماع الذي حصل في باريس، حضرت الخارجية الفرنسية، ومندوب الاتحاد الأوروبي، ووزارتي الخارجية البريطانية والأمريكية، وفيه قال ميليس، حسب الوثيقة، أنه "توصل إلى أدلة ترجح بشكل قوي تورط مسؤولين سوريين في عملية اغتيال الحريري".

هذا الإعلان من قبل المحقق الدولي واشارته الواضحة لتورط النظام السوري، دفعت الاخير للتحرك ودق ناقوس الخطر، والعمل في أكثر من اتجاه على الصعيد السياسي والدبلوماسي والإعلامي والأمني وذلك استعدادا للمواجهة، على ما تكشفه وثائق حصرية اطلع على نسخ رقمية منها فريق الصحفيين العاملين على هذا التحقيق. 

إذ بعد أسبوع من تصريح ميليس، أرسلت إدارة المخابرات العامة إلى بشار الأسد مسودة مذكرة التفاهم بين سوريا والأمم المتحدة حول التحقيق في اغتيال الحريري، والقرار 1595. وفي 10 أيلول/سبتمبر 2005، أرسلت مذكرة أخرى من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، حول "إدارة العملية الإعلامية خلال مهمة ميليس في دمشق". 

وصفت البرقية حال وسائل الإعلام السورية بأنه "في حالة غيبوبة حيال الحدث"، وأنها "مرتبكة تجاه الحدث" ولا بد من "تدابير استثنائية في مجال التعاون بين الإعلام والأمن"، وذلك عبر استمرار "التداول ضمن اللجنة الإعلامية الاستشارية في إدارة المخابرات". والخطة الأولية أساسها تقديم حكاية سورية يقوم وزير الإعلام (كان حينها مهدي دخل الله)، بتسويقها عبر وسائل الإعلام، وأن هذه الرواية لابد أن تكون مستندة إلى "معلومات ومعطيات ووقائع أمنية".

صرح حينها وزير الإعلام السوري مهدي دخل الله لقناة الجزيرة، واصفاً اتهام الأسد بالاغتيال بـ"إثارة للغرائز ومهاترة رخيصة". 

والملفت أنه في ذات الوثيقة ضرب مثال مكتوب بخط اليد عن" رواية محمد زهير صديق"، الذي قالت السلطات السورية لاحقاً، على لسان الناطق باسم اللجنة القضائية السورية الخاصة بالتحقيق، إن تقرير اللجنة الدولية للتحقيق "انهار" و"سقط بالضربة القاضية"، في إشارة إلى شهادة الصدّيق وهسام هسام، أو"الشاهد المقنّع"، الذي قال أنه قدم شهادة مزوّرة بعد أن هرب إلى سوريا، وتحدث على التلفزيون السوري، عن تعرضه للتعذيب والتخدير في لبنان.

تواصلنا مع الصحافية سميرة المسالمة، التي كانت تشغل في ذاك الوقت منصب مديرة تحرير جريدة خاصة في سوريا، والتي أخبرتنا أنه عند انتشار خبر الاغتيال، سادت حالة ارتباك واضحة في الوسط الإعلامي السوري، وانعكست في تأخر صدور التغطيات الأولى. وخلال وقت قصير، استقر الخطاب الإعلامي على توصيف الحريري بـ"الشهيد"، مع توجيه الاتهام إلى إسرائيل باعتبارها المستفيد الأول من العملية. 

تقول المسالمة أنّ "الخطاب الإعلامي حينها انتقل إلى مواجهة مباشرة لكل رأي سياسي أو إعلامي يطرح تساؤلات حول مسؤولية سورية محتملة أو يشير إلى توتر في العلاقة بين دمشق والحريري. أصبحت عملية الرد والتفنيد أولوية واضحة، وواجبة، تعطى لنا بالعناوين عبر الجهات المعنية في الصحف، وغلب الطابع الدفاعي والهجومي على التغطيات، مع توصيف هذه الآراء بوصفها حملات سياسية تستهدف سوريا". 



إعلام قاصر..
الواضح أنّ الإعلام السوري لم يكن على مستوى المناسبة. في 11 أيلول/ سبتمبر 2005، ثمة مذكرة  من المخابرات العامة إلى بشار الأسد بعنوان "حول مهمة ميليس وتداعياتها المحتملة - أفكار سياسية أولية حول الخطة الإعلامية المطلوبة". تبدو هذه "الأفكار" استهدافاً لميليس نفسه بوصفه "يميل لإظهار موقف ودي في البداية…. ليقوم بضربات محددة تجمع بين ملامح النجاح الشخصي لمحقق جنائي وبين الضربة الإعلامية"، ولاحقاً التأكيد أنه "لم يتصرف بود وتفهم تجاه سوريا".

تقول المسالمة: "في 13 آذار/مارس 2005، تم استدعائي برفقة محامٍ إلى أحد الفروع الأمنية. انتظرتُ في مكتب مدير مكتب رئيس الفرع، وخلال ذلك لاحظتُ مغادرة وفد يرتدي أفراده الزي الديني، وقيل لي إنهم يمثلون حزب الله. وكان يرافقهم شخص أعرفه معرفة شخصية هو "ي. ن"، والذي شغل لاحقاً منصب عضو مجلس الشعب". 

تشير المسالمة لاحقاً إلى لقاء نظمه المحامي عمران الزعبي (ِشغل لاحقاً منصب وزير الإعلام بين عامي 2012 و2016) مع هسام هسام، الشاهد الرئيسي بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. 

تضيف: "خلال اللقاء، لاحظت أن هسام هسام  كان دائمًا يهدد بمحاولة الهروب، وكان قد أنكر شهادته التي أدلى بها أمام اللجنة الدولية أكثر من ثلاث مرات أمام المحامي، وهو يقول له انت معصب طول بالك. خلال اللقاء كان هسام  في حالة غضب وانفعال شديدين، وقال لي نصًا (إذا قلت الحقيقة ح أخرب البلد)". تقول المسالمة إنها طلبت من هسام هسام حين غاب الزعبي لدقائق أن يخبرها الحقيقة، فرد قائلاً: "إذا عرفتيها بتموتي".

في 19 أيلول/سبتمبر 2005، أرسل مكتب مدير المخابرات العامة حينها علي مملوك برقية لبشار الأسد عن "مواجهة التحديات الإعلامية المحيطة بعمل لجنة التحقيق في اغتيال الحريري"، وذلك استعدادا لزيارة ميليس إلى دمشق، والاستعداد "لتحقيق إعلام مواكب قادر على متابعة الحدث".

تقدّم البرقية التي اطلع عليها الصحفيون، اقتراحات ليعمل الإعلام السوري بموجبها، وهدفها "الحرص على أن تكون المصادر السورية هي مصادر الأخبار عن التحقيق". ومن ضمن التوصيات الاعتماد على المستوى "ِشبه الرسمي السوري"، كـ"الإعلام المعروف بعلاقاته مع سوريا" و"الإعلام غير المباشر العربي والعالمي". 

والهدف، هو "عرض الموقف السياسي (السوري)، و"أبعاد المؤامرات الجارية"، و"الحرص على عدم التشكيك باللجنة ولا تجريح الشهود".

وأبرز ملامح "الخطاب الإعلامي" الذي جاء في التوصية هو استعراض "تخوف سورية من تسييس التحقيق".

في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2005، أرسلت إدارة المخابرات العامة السورية برقيّة إلى رئيس سوريا حينها، بشار الأسد، يخبره فيها رئيس الإدارة علي مملوك، عن لقائه مع "َضباط ارتباط أمنيين" من "روسيا والجزائر وتركيا وإيطاليا"، والهدف، إيصال رسالة لهذه الدول أن سوريا تتعرض لـ"حملة إعلامية مغرضة" وأنه "لا علاقة لها بحادثة اغتيال الحريري".

تضيف البرقية أن السلطات السورية "تعاونت مع لجنة التحقيق الدولية". وأشارات إلى اتهام سوريا عبر دليل إلى "مجند فار من الجيش ومقيم في لبنان، يمتهن أعمال النصب والاحتيال ومتزوج من امرأة لبنانية هي قريبة اللبناني المعارض لسياسة سوريا"، النائب مروان حمادة، في إشارة هنا إلى محمد زهير الصديق.

بعدها بأيام صرح ميليس بوضوح أنه من "الصعب تخيل حدوث عملية الاغتيال دون علم المخابرات السورية"، و"إن السلطات السورية، وبعد تردد قصير، تعاونت بدرجة محدودة مع اللجنة وحاول بعض الذين قابلتهم اللجنة تضليل التحقيق بتقديم معلومات زائفة أو غير دقيقة"، مشيرا حسب الأمم المتحدة إلى أن وزير الخارجية السوري، فاروق الشرع "قدم معلومات غير صحيحة".

إنتاج البروباغندا استخباراتياً
من أجل تنسيق الجهود الاستخبارتيّة السابقة وضبط الحكاية الرسمية وأسلوب التعامل مع المتهمين، أرسلت المخابرات العامة مذكرة لاطلاع بشار الأسد، وهي رسالة بخط اليد من "هـ. م"، وهو فلسطيني سوري يقيم في لبنان يعمل في مجال الثقافة والسياسية ومناهضة الصهيونية، وسبق وأن التقى بشار الأسد، مرسلة إلى "سيادة اللواء المناضل علي مملوك"، حولها لاحقاً إلى مذكرة اطلاع تعرض على بشار الأسد بتاريخ 15 أيلول/سبتمبر 2005.

المذكرة اقترحت إعداد فيلم وثائقي بالتعاون مع دار نشر ألمانية ومنظمة إعلامية بريطانية مستقلة، عن ميلييس بعنوان "المحقق الدولي"، مدته 45 دقيقة، وسينجز في أقل من أسبوعين في حال تم إرسال التكلفة التي تبلغ نحو 20 ألف يورو عبر حوالة  إلى برلين، حيث سيجتمع مع بعض المشاركين في الفيلم. وتبلغ كلفة الإقامة نحو 5 إلى 6 آلاف دولار، لا علاقة لها بميزانية الفيلم.

تحوي الوثائق مخططاً لسيناريو الوثائقي، الذي لا يعمل كتحقيق أو كوسيلة إيضاح، بل كأداة لإعادة تأطير الحدث ضمن خريطة أعداء وأصدقاء. 
وبحسب إحدى الوثائق، يكشف السيناريو المُقدَّم لعلي مملوك عن إعادة إنتاج للسردية، لتنسجم مع منطق الجهاز الأمني بالاعتماد على مصادر أجنبية وحكايات استخبارتيّة، ليبدو وكأنه وسيلة "محايدة" لإنتاج سردية مختلفة، إذ يهدف الفيلم إلى الطعن بأسلوب عمل ميليس، وإظهار "عدم أهليته الحقوقية"، بناء على تقارير حقوقية تستهدف نشاط ميليس السابق، وتتهمه بـ"تسريب المعلومات" و"التلاعب بأقوال الشهود" في قضايا سابقة عمل عليها.

نقرأ في الوثائق أيضاً، كيف حصل "هـ .م" على موافقة من دار نشر لترويج الفيلم، كانت قد أصدرت من قبل كتاباً عن اغتيال الحريري، يتهم أمريكا واسرائيل بتدبير الاغتيال.

بعد أيام من رسالة "هـ. م"، يتم إرسال مذكرة أخرى موجهة من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، حول الفيلم، يلعب فيها "س. ت" دوراً آخر. إذ ذهب إلى برلين والتقى "المسؤولين عن دار النشر" وقدم نفسه كعضو في منظمة "هـ. م"، وأيضاً تكرر الحديث عن نزع المصداقية عن ميليس عبر إعادة النظر في القضايا السابقة التي عمل عليها.

أرسلنا لكل من "هـ. م" و"س. ت" أسئلة بخصوص ورود اسميهما في الوثائق والدور الذي لعباه في تلك الفترة، ولم نحصل على ردّ حتى لحظة نشر هذا التحقيق.



"جند الشام" والاحتمال الثالث !
يوم الاغتيال، بثت قناة الجزيرة تسجيلاً للمدعو "أحمد أبو عدس" الذي خرج يلقي بياناً باسم "جماعة النصرة والجهاد - بلاد الشام" يتبنى فيه العملية. هنا، بدأت أصابع الاتهام توجه إلى الجماعات الإسلامية المتشددة. 

هذا التسجيل، الذي بثّ في 14/ 02/ 2005، بعد ساعات من اغتيال الحريري، ذو حكاية ملفتة. 

إذ أجابت الجزيرة في رد على لجنة التحقيق :"إن مدير مكتب "الجزيرة" حينها في بيروت، غسان بن جدو، هو الذي تسلم الشريط، وقبل أن يتسلمه تم الاتصال به من قبل جهة مجهولة". لاحقاً أجرت جريدة السفير مقابلة مع شقيق أبو عدس، خالد، الذي قال بوضوح: "من حيث الشكل هو أخي أحمد ولكن من حيث المضمون وطريقة التعبير ولهجة الصوت، كان إنسانا مجهولا غامضا، غريبا عني، على الرغم من عيشنا المشترك في بيت واحد". وأضاف: "أنا أجزم أن أخي أحمد تعرض لقوة خارجية فرضت عليه قراءة النصّ، بالتعذيب والإكراه أو بطريقة أخرى.. أخي أحمد بسيط جدا ومسالم ومن السهل استدراجه".

بتاريخ 7 أيلول/سبتمبر 2006، نقرأ مذكرة من المخابرات العامة إلى رئيس الجمهورية، حول طلب لجنة التحقيق لقاء الـ13 "ملاحقاً من العناصر الإرهابية"، والذين يقدمتهم المخابرات السورية للجنة. وهنا تفسر البرقية أن سبب طلب اللقاء هو عدم معرفة اللجنة بهؤلاء المتهمين، فـ"المعلومات التي قدمت لهم من السلطات السورية معلومات جديدة وواسعة".

في ذات المذكرة أنكر الضباط السوريون معرفتهم بزياد رمضان (صديق أحمد أبو عدس) إلا من خلال الإعلام، وأن لجنة التحقيق الدولية هي من حققت معه، وأشاروا إلى إمكانية لقاء اللجنة مع "أسامة الشوشة الموقوف لدى الأمن السياسي".  كما توجد إشارة إلى احتمالية إرسال اللجنة نسخة من شريط "أحمد أبو عدس" كي تدرسه السلطات الأمنية، والهدف "التأكد إن كان الخطاب الوارد فيها يعكس خطاباً سلفياً أصلاً ام لا (مزوراً)".

الملفت في التعليقات أنها تتجاوز تقديم النظام السوري كخبير في الجماعات الجهادية، بل إن إدارة المخابرات العامة قالت: "ظهر بشكل واضح انفتاح الضباط السوريين على التعاون وكان تصرفهم عفوياً ومسؤولاً وجدياً، ولم يظهر بأن الإجابات كانت منسقة سلفاً (رغم التنسيق والتوجيهات المسبقة)".

اتُهم حينها تنظيم "جند الشام"، وأفراد منه ذُكروا في تقرير ميليس. وتحول الاتهام نحو جماعة إرهابية أصوليّة، ألقت دمشق القبض على أفرادها، وإلقاء القبض على زياد رمضان الذي ناشدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) الأسد إطلاق سراحه عام 2009، وحكم عليه بالسجن ست سنوات عام 2011.

في هذا اللقاء، كان الواضح أن الهدف هو إلصاق القضية بالتنظيمات الأصولية، إذ تشرح المخابرات بنيتها، وتشير إلى المتهمين الواردة أسماؤهم في تقرير اللجنة بأن "أجهزة الأمن السورية لم تعرف عنهم إلا أسماءهم الحركية" كـ"محمد أسامة الشوشة، وأبو محجن (أحمد السعدي)"، والتركيز أن سوريا تحارب الإرهاب، والسؤال أن هناك 13 متهماً من تنظيم القاعدة. ودار حديث عن أحمد أبو عدس الذي نفت المخابرات السورية معرفتها به.

وبتاريخ 13 تموز/يوليو 2006، بعد استقالة ميليس وتعيين المحقق "سيرج براميرتز" خلفاً له،  نقرأ في مذكرة اطلاع من المخابرات العامة إلى بشار الأسد، حول لقاء براميرتز مع مسؤوليين سوريين. 

حضر اللقاء من الجانب السوري "اللواء ديب زيتون، العميد زهير حمد، العميد علي مخلوف، العقيد منير شلبي" وكان المترجم عن الجانب السوري "س. ت". وصفت المذكرة هذا اللقاء بأنه "مبادرة سورية لإغناء التعاون"، والسبب أنه "لما كان هناك معلومات حول العناصر الإرهابية واردة من شعبة المخابرات السياسية"، والهدف منه  طرح "احتمال ثالث لتفجير موكب الحريري من الجو". 

هذه الحكاية حول القصف الجوي نراها ضمن لقاء نشر وحذف مع وزير الدفاع السوري حينها مصطفى طلاس، يتحدث عن اتهام إسرائيل واستخدام طائرات استطلاع فوق بيروت آنذاك، الرواية التي نشر عنها لاحقاً حزب الله تسجيلات وصوراً وشرح الأمين العام لحزب الله نسختهم من عملية الاغتيال، مبتنياً فرضيّة القصف الجوي.

تتبع الشاهد الحي 
لم يكتف النظام السوري بمحاولة بتوظيف شهود وشخصيات عامة تملك تخصصات إعلامية وحقوقية في إنتاج فيلم وثائقي للتضليل على رواية وجهود المحقق الدولي في قضية اغتيال الحريري، بل عمل بعقلية امنية واستخباراتية امتدت لسنوات طويلة بعد عملية الاغتيال، كل ذلك بهدف إبعاد الشبهات عنه كمنفذ للاغتيال. 

في 20 كانون الأول/ديسمبر 2014، ظهر شخص يدعى عبد الباسط بني عودة، في لقاء مصوّر على قناة الجديد في برنامج "للنشر"، الذي وصف لاحقاً بـ"الشاهد الإسرائيلي" في قضية الحريري. وقدم معلومات على الهواء مباشرة عن نشاطه وعمله وعلاقاته برجالات امن واستخبارات سوريين ولبنانيين وتطرق إلى امتلاكه صورا ووثائق حساسة تتعلق بالقضية. 

ما كان من اجهزة الامن السورية وقتها إلا التحرك مباشرة لتتبع هذا الشاهد. إذ تحرك على الفور "الفرع الفني" في ادارة المخابرات الجوية، بقيادة رئيس الفرع العميد معين قاسم، وذلك بتاريخ 23 كانون الأول/ ديسمبر وأرسل معلومات وصورا واربع لقطات شاشة مباشرة من تلفزيون الجديد لوجه الشاهد، مع تسجيل صوتي كامل لِمداخلته، وذلك مرفقاً مع مذكرة "مطالعة" موجهة لـ19 فرع أمني في سوريا حيث تم تعميم صورة الشاهد وصوته على قرص ليزري وذلك للتعرف عليه. 

بعد أكثر من عقدين علي اغتيال الحريري، يبقى السؤال هنا: لماذا لجأ النظام السوري الى هذه الاساليب في المواجهة؟ ولماذا أخذ على عاتقه مواجهة الرواية العالمية حول اتهامه باغتيال الحريري؟ 

ما تكشفه الوثائق والمراسلات أن النظام السوري سعى للمواجهة بأسلوب "القوة الناعمة"، وهي إنتاج فيلم وعرضه على شاشات التلفزيون. وهي عقلية اعلامية أمنية هدفها التأثير، وقد تكررت في عدة مناسبات مع مسيرة عمر الثورة السورية وصولاً إلى سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024.

بعبارة أخرى: لماذا يريد النظام السوري المواجهة إن لم يكن هو المنفذ؟ فقد كشفت المحكمة الدولية الخاصة بمقتل الحريري ان من يقف وراء العملية هو حزب الله. ويبقى الترجيح أن النظام السوري المخلوع كانت انيطت به عملية "التضليل" عبر الإعلام وبعد تنفيذ الاغتيال.

محمد بسيكي، مودة بحاح، أحمد حاج حمدو (سراج)، عمار المأمون ونوار جبور (درج)، بالتعاون مع "زمان الوصل"
(1338)    هل أعجبتك المقالة (5)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي