أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الرقة بعد تحريرها من "قسد": المخدرات إرث ثقيل ومعركة لم تنته

الرقة اليوم تقف أمام اختبار حقيقي - الأناضول

الرقة بعد تحريرها من "قسد" لم تخرج من المعركة كما ظن كثيرون، بل دخلت معركة أخطر وأعمق، معركة ضد إرث ثقيل زرع في جسدها خلال سنوات السيطرة: المخدرات المنظمة، الشبكات المحمية، والجيل الذي تُرك وحيداً أمام الانهيار. 

ما تكشف بعد التحرير لم يكن مجرد تجاوزات فردية، بل منظومة متكاملة كانت تعمل بصمت تحت غطاء الفوضى، أنفاق ومقار سرية ومستودعات مليئة بالحشيش والكبتاغون ومواد خطرة مثل "الإتش بوز" ، جاهزة لتغرق الأحياء الشعبية وتحول الشباب إلى ضحايا دائمين.

ما كان يتداول همسا بين الأهالي أصبح اليوم حقيقة موثقة. الرقة لم تكن فقط مدينة أنهكتها الحرب، بل مدينة استهدفت في وعيها الجمعي. انتشار المخدرات لم يكن صدفة، ولم يكن نشاطاً هامشياً، بل ظاهرة تمددت قرب المدارس والأسواق وبين الأزقة الفقيرة حيث يسهل اصطياد المراهقين.

السنوات الماضية شهدت انفلاتاً خطيراً في التعاطي، وارتفاعاً في الجرائم المرتبطة به، وتفككاً اجتماعياً لم يكن وليد الظروف الاقتصادية وحدها، بل نتيجة بيئة سمحت للتجار بالعمل بأمان شبه كامل.

الأخطر أن الفتيات لم يكن بعيدات عن هذا المشهد القاتم، إذ تشكلت شبكات استغلال مرتبطة بترويج المخدرات، تستدرج الضحايا عبر الإدمان ثم تدفع بهن إلى دوائر أوسع من الانتهاك بدعم من "قسد". هكذا تحول الملف من مجرد تجارة محرمة إلى أزمة أخلاقية واجتماعية تضرب الأسرة في عمقها. المدينة لم تستهدف بالسلاح فقط، بل باستنزاف شبابها وتفريغها من مناعتها الداخلية.

الجرائم التي هزت الرقة خلال السنوات الماضية لم تكن معزولة عن هذا السياق. حادثة يناير 2021 كانت إنذاراً مبكراً، وحادثة المربية الحاجة فاطمة الشعيب في نوفمبر 2025 أكدت أن المخدرات لم تعد مادة تتعاطى في الظل، بل أصبحت محركاً مباشراً لسلوك إجرامي منظم. هذه الوقائع لم تكن صدفة، بل نتيجة طبيعية لانتشار سم بلا رادع حقيقي.

وما جرى مؤخراً في حي سيف الدولة حارة الشعيب، شرقي مركز المدينة، كشف الوجه الأكثر خطورة لهذه الشبكات. مداهمة نفذتها قوى الأمن الداخلي استهدفت وكراً لتجار مخدرات  تحولت إلى اشتباك مسلح بعد إطلاق نار مباشر من داخل المنزل المستهدف، ما أدى إلى ارتقاء عنصرين من قوى الأمن وإصابة آخرين، بينهم الشاب أحمد مصطفى الصراط، أحد عناصر الأمن العام في الرقة، الذي سقط خلال أداء واجبه. لم يكن المشهد مجرد عملية أمنية عادية، بل مواجهة مباشرة مع تجار مستعدين للقتل دفاعاً عن تجارتهم. ورغم ذلك، تمكنت القوة من السيطرة على الموقع، تطويق الحي، وإلقاء القبض على أربعة مشتبه بهم، وفتح تحقيق رسمي تمهيداً لمحاسبتهم.

هذه الحادثة تثبت أن تجارة المخدرات في الرقة لم تعد نشاطاً سرياً محدوداً، بل شبكة مسلحة لها امتدادات وقدرة على المواجهة. الخطر لم يعد أخلاقياً أو اجتماعياً فحسب، بل أمنياً مباشراً يهدد حياة المدنيين وعناصر إنفاذ القانون على حد سواء. دماء الشهداء في حي الشعيب ليست تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على أن المدينة ما تزال تخوض حرباً لم تحسم.

الرقة اليوم تقف أمام اختبار حقيقي. التحرير العسكري لا يكفي إذا لم يتبعه تطهير اجتماعي وأمني شامل. المطلوب ليس فقط ملاحقة التجار، بل تفكيك الشبكات، قطع خطوط الإمداد، إنشاء مراكز علاج وتأهيل للمدمنين، وإطلاق برامج توعية حقيقية تعيد بناء وعي الجيل الجديد. فالمخدرات ليست أزمة أفراد، بل سلاح صامت يفتك بالمجتمعات ببطء.

المدينة التي صمدت في وجه الحرب تستحق أن تنقذ من هذا الإرث القاتل. المخدرات ما تزال خطراً يومياً على حياة الشباب، والتحدي اليوم ليس في كشف المستور فحسب، بل في منع إعادة إنتاجه. بين إرادة النهوض وحقيقة ما زال كامناً تحت السطح، يبقى مستقبل الرقة مرهوناً بمدى جدية المواجهة، وبقدرة المجتمع ومؤسساته على تحويل هذه اللحظة الدامية إلى نقطة تحول حقيقية، لا مجرد حادثة تطوى في سجل طويل من الألم.

ريم الناصر - زمان الوصل
(9)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي