أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سياسة تسعير الكهرباء في سوريا: الأسباب الحقيقية خلف التغيير الجذري

أرشيف

شهدت سوريا تحولاً جذرياً في سياسة تسعير الكهرباء، تمثل بارتفاع التعرفة بنحو 800 ضعف، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوري. ورغم انتشار قناعة شعبية بأن هذا الرفع يهدف فقط إلى فتح المجال أمام الاستثمار الخاص، إلا أن المعطيات تشير إلى تشابك أسباب سياسية واقتصادية وتقنية تقف خلف هذا القرار. في هذا المقال، نستعرض المعلومات المتاحة حول آليات تمويل الكهرباء في عهد النظام السابق، وأسباب التحول الحتمي في السياسة، والإشكاليات التي رافقت تنفيذ هذه الإصلاحات.

أولاً: نموذج التمويل القديم – كهرباء مدعومة بتمويل إيراني
قبل العام 2024، كان قطاع الكهرباء السوري يعتمد بشكل شبه كامل على واردات النفط الإيراني وعلى كمية صغيرة من الغاز الموجود في حقول المنطقة الوسطى والذي لا يتجاوز 6 إلى 7 مليون متر مكعب يوميا.

المعلومات المتوفرة تشير إلى أن ثلاث ناقلات نفط كانت تصل شهرياً إلى مصب بانياس:
- ناقلة واحدة كانت تأتي كمنحة مجانية من الجانب الإيراني.
- ناقلتان كانتا مدفوعتي الثمن، ولكن العائدات المالية من بيعهما لم تكن توجه إلى توليد الكهرباء بشكل أساسي.

ما كان يحدث هو أن الناقلتين المدفوعتين كانتا تُكرَّران في معملي حمص وبانياس، ويتم الاستفادة من المشتقات النفطية الناتجة فيول، مازوت، بنزين لبيعها في الأسواق المحلية والسوداء، بهدف تأمين سيولة كبيرة للمصرف المركزي والحكومة. أما توليد الكهرباء فكان يتم باستخدام الحد الأدنى من الفيول الثقيل المتبقي، مما أدى إلى تراجع خدمة التيار الكهربائي تدريجياً حتى وصلت إلى 4 ساعات أو 5 ساعات  يومياً في الأشهر الأخيرة من عمر النظام السابق.

باختصار، لم تكن الكهرباء في سوريا مجانية لأن الدولة منتجة أو غنية، بل لأن تكلفتها الفعلية كانت تُدفع عبر موارد سياسية خارجية، بينما كان النقد الأجنبي الوارد من النفط المكرر يُستخدم لأغراض أخرى.

ثانياً: انهيار النموذج القديم مع تغير المشهد السياسي
مع سقوط النظام السابق، توقفت الواردات النفطية الإيرانية بالكامل. فجأة، وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمام قطاع كهرباء يخسر ملياري دولار سنوياً، ويعاني من فاقد شبكات يتجاوز 30% بسبب التهريب والبنية التحتية المدمرة، ويبيع الكيلوواط بواحد سنت بينما تبلغ كلفته الفعلية 15 سنتاً.

في هذه المرحلة، لم يكن أمام الحكومة خيار الاستمرار في سياسة الدعم الشامل، ليس لعدم الرغبة، بل لعدم وجود مصدر تمويل بديل بالحجم نفسه. النموذج القائم على النفط المجاني انهار لأنه كان مرتبطاً بكيانات سياسية لم تعد موجودة على الأرض السورية.

ثالثاً: منطق التسعير الجديد – لماذا يجب أن تعكس السلعة قيمتها الحقيقية؟
الحكومة الجديدة، وفي سياق سعيها لإعادة بناء موارد الدولة، انتقلت إلى سياسة تسعير تقوم على فرضية أن أي سلعة تقدمها الدولة يجب أن تعكس قيمتها الحقيقية في السوق. هذا التحول ليس قراراً سورياً خالصاً، بل هو شرط ضمني أو صريح من المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة التي تتعامل مع الحكومة الجديدة.

المنطق الاقتصادي وراء هذا التوجه يقوم على عدة اعتبارات:
1. ترشيد الاستهلاك: عندما يكون سعر السلعة قريباً من تكلفتها الفعلية، يُستهلك المورد وفق الضرورة القصوى، وتتوقف ظاهرة هدر الطاقة.
2. توليد فائض مالي: التسعير الحقيقي يمكن أن يؤمن إيرادات مستقرة للدولة، تسمح لها بالاستثمار في إعادة تأهيل الشبكات ومحطات التوليد.
3. جذب التمويل الدولي: المؤسسات المالية لا تمول قطاعات تعاني عجزاً متراكماً دون وجود خطة واضحة لتصحيح المسار.

رابعاً: الخطأ في التنفيذ – تسلسل زمني مقلوب
لكن الاعتراف بضرورة الإصلاح الاقتصادي لا يعني إغفال الإشكاليات الكبيرة التي رافقت تطبيق هذه السياسة. المعطيات تشير إلى أن الحكومة الجديدة ارتكبت أخطاء في توقيت وآلية التنفيذ، يمكن تلخيصها بثلاث نقاط رئيسية:
1. الرفع قبل العدادات
تم رفع تعرفة الكهرباء بشكل مفاجئ وكبير في وقت لم تكن العدادات الذكية أو أنظمة الشحن المسبق الدفع قد وصلت إلى المواطنين بعد. هذا يعني أن المواطن طُلب منه دفع فاتورة مرتفعة بشكل غير مسبوق، دون أن يكون لديه أي وسيلة لمراقبة استهلاكه أو التحكم به.
2. الرفع قبل تحسين الخدمة
الزيادة الهائلة في السعر جاءت في وقت لا تزال ساعات التغذية الكهربائية متقطعة وغير مستقرة. المنطق الطبيعي للإصلاح يقضي بتحسين الخدمة أولاً، ثم رفع السعر تدريجياً، وليس العكس.
3. الرفع قبل تعديل الرواتب
في غياب أي زيادة ملموسة على الرواتب والأجور، تحولت فاتورة الكهرباء الجديدة إلى عبء غير محتمل على ميزانيات الأسر السورية. الفجوة بين الكلفة الجديدة للخدمة والدخل الثابت للمواطنين خلقت شعوراً بأن الدولة تطلب تضحية من دون تقديم أي مقابل ملموس.
هذا التسلسل الزمني المقلوب هو ما حوّل إصلاحاً ضرورياً إلى أزمة ثقة حادة بين المواطن والحكومة.

خامساً: المخاوف المشروعة – أين تذهب الإيرادات؟
إلى جانب أخطاء التوقيت والتنفيذ، هناك قلق شعبي عميق ومشروع حول وجهة الإيرادات الجديدة. الشارع السوري يمتلك ذاكرة طويلة عن كيفية إنفاق عائدات النفط والمشتقات في العقود الماضية: مكاتب فارهة، أساطيل سيارات مصفحة، بيروقراطية منتفخة، وفساد منظم.

المواطن الذي يدفع اليوم ثمناً حقيقياً للكهرباء له كل الحق في أن يسأل: هل ستذهب هذه الأموال إلى بناء محطات جديدة وترميم الشبكات وتأمين التيار 24 ساعة، أم سنشهد مجرد إعادة إنتاج نمط الريعية السابق بأشخاص جدد؟
غياب الشفافية في إيرادات قطاع الكهرباء وخطة إنفاقها يغذي هذا القلق ويضاعف حالة الاحتقان الشعبي.

ما بين ضرورة الإصلاح وأخطاء التنفيذ
ما تشهده سوريا في قطاع الكهرباء هو تحول من نموذج تمويل سياسي خارجي النفط الإيراني إلى نموذج تسعير محلي يعكس الكلفة الحقيقية. هذا التحول كان حتمياً بعد انهيار النظام السابق وتوقف التدفقات النفطية، وهو ينسجم مع توجهات المؤسسات المالية الدولية نحو إلغاء الدعم الشامل واستبداله بسياسات دعم موجه.

لكن الضرورة الاقتصادية لا تبرر الأخطاء التنفيذية. رفع السعر 800 ضعف قبل وصول العدادات، وقبل تحسين الخدمة، وقبل تعديل الرواتب، كان قراراً متسرعاً أدى إلى نتائج عكسية على مستوى الثقة الشعبية.

الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة ليس في قدرتها على فرض التسعير الجديد، بل في قدرتها على:
- تصحيح التسلسل الزمني للإصلاح.
- توفير شبكة أمان اجتماعي للفئات المتضررة.
- ضمان الشفافية الكاملة في إنفاق إيرادات الكهرباء.
- تقديم خدمة أفضل مقابل السعر الأعلى.

بدون هذه الخطوات، سيظل قرار رفع التسعير معلقاً بين كونه ضرورة اقتصادية قاسية من جهة، وخطأ سياسياً وتنفيذياً مكلفاً من جهة أخرى.

زمان الوصل
(324)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي