أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

دير شبيغل: ضفيرة زائفة تحرك العالم وجرائم موثقة تتجاهل

في كانون الثاني/يناير 2026، احتاج العالم إلى 17 ثانية فقط كي ينفجر غضباً، ويتشح بالتضامن، وتستنهض الحملات النسوية والحقوقية العابرة للقارات. لم يكن السبب مجزرة موثقة، ولا تصفية معتقلين داخل سجن، ولا قنص أطفال في الشوارع، بل ضفيرة شعر ظهرت في مقطع مصور من مدينة تل أبيض شمالي سوريا. هكذا، وبسرعة مذهلة، تحولت صورة واحدة إلى قضية كونية، وصنعت منها سردية إنسانية كاملة، قبل أن يطرح السؤال البديهي متأخراً: هل ما نراه حقيقي فعلاً، أم أننا أمام وهم رقمي جرى تضخيمه حتى طغى على الدم الحقيقي؟

هذا السؤال لم يكن اخلاقياً فحسب، بل صحفياً بامتياز، وهو ما دفع مجلة DER SPIEGEL الألمانية دير شبيغل إلى تفكيك القصة والتحقق من أصل الفيديو وسياقه. ففي تحقيق حمل عنوان Deshalb bewegt ein wohl falscher Zopf die Welt "لهذا تحرك ضفيرة يرجح أنها زائفة العالم" ، كشفت المجلة أن المقطع المتداول، والذي لا يتجاوز 17 ثانية، أخرج عن سياقه الحقيقي، وأن الرواية التي بنيت عليه لا تستند إلى أي وقائع مثبتة.

وبحسب التحقيق، فإن الضفيرة التي أثارت موجة الغضب والتعاطف العالمي ليست سوى خصلة شعر صناعية باروكة، جرى تصويرها على سبيل المزاح، قبل أن تتحول عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى رمز سياسي وإنساني ضخم. وحذرت المجلة من خطورة التضليل البصري، ومن الانجرار خلف محتوى عاطفي غير متحقق منه، مؤكدة أن كثيراً مما ينشر على الشبكات لا يعكس الحقيقة كاملة، بل يعاد إنتاجه بما يخدم سرديات جاهزة.

الرجل الذي ظهر في الفيديو يدعى رامي الدهش، من مدينة تل أبيض، وكان قد عاد إلى مدينته بعد الهجمة الأخيرة. لاحقاً، أوضح أن ما حدث لم يكن سوى مزحة، وأن الضفيرة مجرد باروكة لا علاقة لها بأي مقاتلة أو حادثة قتل. إلا أن الفيديو، بعد أن خرج عن سياقه، تحول إلى قضية رأي عام، وجر على صاحبه تهديدات بالقتل وضغوطاً واسعة، انتهت بتسليم نفسه للشرطة، في مشهد يعكس حجم القوة التي باتت تمتلكها المحكمة الرقمية حين تبنى على الوهم لا على الوقائع.

غير أن جوهر القضية لا يكمن في الفيديو ذاته، بل في طريقة تلقيه عالمياً. ففي اليوم نفسه الذي كانت فيه الضفيرة تتصدر النقاش على المنصات الدولية، شهدت محافظة الرقة وقائع موثقة لا تحتمل التأويل: تصفية معتقلين داخل سجن الطبقة في مشاهد مصورة، وعمليات قنص مدنيين في مدينة الرقة، إضافة إلى توثيق مقتل 22 مدنياً، بينهم ثلاثة أطفال، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

هذه الوقائع لم تكن رمزية، ولا قابلة للتأويل، ولا قائمة على افتراضات أو روايات متداولة، بل جرائم مثبتة بالصوت والصورة. ومع ذلك، لم تحظ بعشر الاهتمام الذي حظيت به الضفيرة. لم تتحرك حملات تضامن، ولم تصدر بيانات غاضبة، ولم تتحول المأساة إلى قضية رأي عام عابرة للحدود، وكأن الدم الحقيقي أقل قابلية للتعاطف من صورة قابلة للتسويق العاطفي.

هذا التناقض الفاضح يكشف ازدواجية المعايير لدى شريحة من النشطاء والحقوقيين الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الإنسان، لكنهم يختارون قضاياهم وفق الهوية السياسية للضحية، لا وفق حجم الجريمة أو فداحة الانتهاك. ضفيرة زائفة تحرك العالم، بينما تصفية معتقلين وقنص أطفال تمر بصمت ثقيل. هنا لا يعود الحديث عن حقوق إنسان، بل عن حقوق انتقائية، تستدعى حين تخدم سردية معينة، وتهمل حين تُحرج طرفاً محميا سياسياً.

تحقيق Der Spiegel / دير شبيغل لم يفضح فقط قصة ضفيرة زائفة، بل كشف خللا عميقاً في الضمير العالمي، حيث تصنع القضايا على مقاس السردية، لا على حجم الجريمة. في عالم تحركه صورة بلا دم، ويصمت أمام مشاهد تصفية معتقلين وقنص مدنيين موثقة، تصبح العدالة شعاراً فارغاً، وتتحول حقوق الإنسان إلى أداة انتقائية لا ميزاناً اخلاقياً.

في سوريا، لا يحتاج الضحايا إلى رموز مصطنعة ولا إلى قصص قابلة للتسويق، بل إلى عين ترى الجميع بلا استثناء، وإعلام لا يخشى كسر السرديات الجاهزة، وضمير لا ينتفض حين يسمح له فقط. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الدم الحقيقي أقل قيمة من ضفيرة، وستظل المأساة السورية رهينة صمتٍ عالمي لا يثور إلا حين يخدم روايته.

ريم الناصر - زمان الوصل
(92)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي