لم تكد تمضي أشهر على بدء تشكّل مؤسسات المرحلة الجديدة، حتى انتقل الجدل من مواقع التواصل الاجتماعي إلى قاعات المحاكم. فمع انتشار صور وتصريحات قديمة تعود لعدد من المسؤولين الذين شغلوا مواقع في المرحلة السابقة، لجأ بعضهم إلى رفع دعاوى الذم والقدح والتشهير بحق من نشر تلك المواد. وبين حق الأفراد في حماية سمعتهم، وحق المجتمع في معرفة دور من يتولى الشأن العام، يبرز سؤال لم يعد قانونياً فقط، بل سياسياً وأخلاقياً أيضاً: أين تنتهي الخصوصية وأين يبدأ الحق في المعرفة؟
عقب سقوط النظام في الثامن من ديسمبر، ظهرت تحولات سريعة في مواقف عدد من الأشخاص الذين كانوا جزءاً من بنيته الإدارية والقضائية. فقد بادر مسؤولون وموظفون كبار ومديرون إلى إعلان مواقف جديدة على نحو واضح في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استُبدلت الصور والشعارات السابقة بأخرى تعبّر عن المرحلة الجديدة.
وبالتوازي مع ذلك، لوحظ حذف واسع لمنشورات وصور قديمة كانت تُظهر مواقعهم أو علاقاتهم بمؤسسات السلطة السابقة. غير أن تلك المحاولات لم تمنع انتشار مواد محفوظة لدى كثير من السوريين، تضمنت صوراً وتصريحات ومواقف تعود لسنوات مضت، أعيد نشرها بعد التغيير أملاً في أن تؤخذ بعين الاعتبار عند إعادة تشكيل المؤسسات.
كثيرون رأوا في نشر تلك المواد جزءاً من المطالبة بالمساءلة، وخصوصاً في ظل الحديث عن العدالة الانتقالية وضرورة التحقق من أدوار من سيتولون مواقع المسؤولية العامة، ولا سيما من ارتبطت أسماؤهم بالبنية الأمنية أو القضائية أو الاقتصادية للنظام السابق.
لكن الجدل تصاعد لاحقاً مع صدور قرارات تعيين في مواقع إدارية وقضائية، تضمنت أسماء اعتبرها قطاع من الرأي العام غير منسجمة مع متطلبات المرحلة. وبررت جهات مختلفة هذه الإجراءات بالحاجة إلى الاستقرار الإداري ونقص الخبرات المتاحة، فيما رأى منتقدون أن جزءاً كبيراً من الكفاءات غادر البلاد خلال السنوات الماضية، وأن إعادة تدوير بعض الشخصيات قد تؤثر في ثقة المجتمع بالمؤسسات الناشئة.
انعكس ذلك بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت حملات كشف للسير والمواقف السابقة لبعض المعيّنين، ما دفع جهات رسمية إلى إعادة النظر في عدد من القرارات والتراجع عنها.
إلا أن التطور الأبرز تمثل في انتقال النزاع إلى القضاء، مع لجوء بعض من كُشف ماضيهم إلى تقديم دعاوى الذم والقدح والتشهير بحق ناشري الصور أو التسجيلات. وقد فتح ذلك نقاشاً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين حماية السمعة الشخصية وحق المجتمع في الاطلاع على ماضي من يتولى الشأن العام.
ويرى متابعون أن هذه القضايا تضع القضاء أمام اختبار حساس: فمن جهة لا يجوز الاتهام دون دليل أو المساس بالحياة الخاصة للأفراد، ومن جهة أخرى لا ينبغي أن تتحول الدعاوى إلى وسيلة لإسكات ضحايا أو شهود أو لمنع توثيق وقائع مرحلة ما زالت آثارها قائمة.
فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، لا تقوم على الانتقام ولا على النسيان، بل على كشف الوقائع وإقرار المسؤولية ضمن إطار قانوني يحقق الإنصاف ويمنع تكرار الانتهاكات. أما تجاهل الماضي أو ملاحقة من يذكّر به، فلن يعالج الجراح بقدر ما قد يكرّس انعدام الثقة.
إن بناء مؤسسات مستقرة لا يتحقق فقط بملء الشواغر الإدارية، بل بترسيخ الثقة العامة. وهذه الثقة تبدأ من وضوح المعايير: لا إدانة بلا دليل، ولا حصانة بلا مساءلة. وبين هذين المبدأين فقط يمكن أن تتشكل دولة القانون التي ينتظرها المجتمع.
عروة السوسي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية