من أخطر الملفات الاقتصادية التي لم تُفتح بجدية حتى اليوم، ملف القروض التي مُنحت لرجال أعمال قبل عام 2011 وخلال بدايات الثورة، والتي تحوّلت –بفعل انهيار العملة وغياب المعالجة العادلة– إلى واحدة من أكبر عمليات نقل الثروة من الدولة إلى الأفراد.
في عامي 2010 و2011، كان سعر الصرف شبه ثابت، وكانت خمسون مليون ليرة سورية تعادل تقريبًا مليون دولار أمريكي. في تلك الفترة، حصل عدد من رجال الأعمال –مقربين من النظام أو غير مقربين– على قروض ضخمة من المصارف العامة والخاصة، تحت مسميات استثمار وتنمية وتشغيل.
ما الذي حدث بعد ذلك؟
انهارت الليرة السورية، وتدهورت قيمتها بشكل غير مسبوق. وعندما حان وقت السداد، أو أُعيدت جدولة القروض، تم السداد بالقيمة الاسمية بالليرة، لا بالقيمة الحقيقية.
وهكذا أصبح:
من اقترض ما يعادل مليون دولار، سدد فعليًا ما يعادل خمسة آلاف دولار فقط.
الفرق لم يكن خسارة على ورق، بل خسارة مباشرة على خزينة الدولة، أي على الشعب.
والأخطر من ذلك أن هذه الفجوة لم تكن نتيجة استثمار ناجح أو مخاطرة اقتصادية، بل نتيجة تشوّه مالي وانهيار نقدي دفع ثمنه المواطن، وجنى ثماره قلة محدودة.
هل كان ذلك قانونيًا؟
قد يكون شكليًا متوافقًا مع نصوص مجمّدة، لكن:
- ليس عادلًا.
- ليس اقتصاديًا.
- وليس مقبولًا في أي دولة تحترم نفسها.
ففي كل تجارب الدول التي شهدت تضخمًا أو انهيارًا نقديًا، تم اللجوء إلى:
- إعادة تقييم الديون.
- ربطها بسعر الصرف وقت القرض.
- أو بمؤشر التضخم.
- أو بالقيمة الذهبية.
(ليس انتقامًا، بل منعًا للإثراء غير المشروع).
النتيجة التي نعيشها اليوم:
- رجال أعمال أصبحوا أثرياء فجأة.
- دولة خسرت مليارات حقيقية.
- مواطن يُطلب منه اليوم تحمل رفع أسعار الكهرباء والخدمات.
وهنا السؤال الأخلاقي الكبير:
كيف يُطلب من الفقير أن يسدّ عجز الدولة، بينما من راكم ثروته من انهيارها لم يُسأل بعد؟
الحل ليس مستحيلًا:
الحل ليس مصادرة ولا فوضى، بل:
- إعادة تقييم القروض القديمة بالقيمة الحقيقية وقت منحها.
- احتساب الفارق كمنفعة غير عادلة يجب استردادها.
- تقسيط عادل ومدروس لا يخنق الاقتصاد.
- تخصيص الأموال المستعادة لملفات الكهرباء والخدمات الأساسية.
عندها فقط، يرى المواطن أن المال الذي سُرق منه، عاد ليضيء بيته، ويخفف فقره، ويعيد شيئًا من العدالة المفقودة.
لا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية مالية قديمة، ولا يمكن إقناع الناس بالتضحية بينما تُترك ملفات بهذا الحجم بلا معالجة.
من أصبح ثريًا بسبب انهيار الدولة، يجب أن يكون أول من يساهم في إنقاذها.
غير ذلك… سنبقى ندور في حلقة الظلم نفسها، بأسماء مختلفة.
عماد الاسماعيل - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية