أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نزيف الخوف: الدولة السورية بين التحصين والمساءلة

من دمشق - الأناضول

إن ما يجري اليوم في سوريا حالةٌ عرفتها المجتمعات جيدًا عبر التاريخ. فبعد زمنٍ طويل من العنف والانكسار، تصل هذه المجتمعات إلى نمطٍ خاص من الوعي، يكون فيه الخطر الأشد كامنًا في طريقة إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة، لا في التهديدات الخارجية أو الخصومات الظاهرة.

في هذه اللحظة، تتجاوز الدولة كونها بنيةً سياسية تُقاس بقدرتها على إدارة الشأن العام، وتتحول في وعي قطاعاتٍ واسعة إلى مساحة إسقاط نفسي. تُستحضر بوصفها ملاذًا، أو سقفًا لا يُسمح بالاقتراب منه خشية الانهيار. ومع هذا التحول، يبدأ خلطٌ بطيء بين الدولة بوصفها مؤسسةً عامة، وبينها بوصفها حاملًا نفسيًا للخوف المتراكم. ويتحوّل الدفاع عنها تدريجيًا إلى دفاعٍ عن توازنٍ داخلي هش، لا عن السياسات أو القرارات أو ترتيب الأولويات. وهذا التحول لا يمكن فهمه سياسيًا فقط، بل يحتاج قراءةً نفسية مرافقة.

في التحليل النفسي، الجرح الذي يُترك دون معالجة يفرض منطقه الخاص على الوعي. يضيّق مجال الفحص، ويحوّل أي اقتراب إلى مصدر تهديد، لا لأن الاقتراب خطرٌ بذاته، بل لأن الألم ما زال حاضرًا ويمنع العقل من استيعاب إمكانية تجاوزه. هذه الحالة تُعرف في علم النفس بما يُسمّى متلازمة التحصين الصدمي (Defensive Closure)، حيث يُبنى حول الجرح سياجٌ دفاعي يحمي الإحساس لا الواقع.

عندما تنتقل هذه الآلية من الفرد إلى الجماعة، تتبدّل قواعد النقاش العام؛ فيصبح السؤال عبئًا، وتُحمَّل الملاحظات نوايا مضمرة، وتُستقبل المساءلة بوصفها تهديدًا لما تبقّى من أمان. في هذا السياق، لا يجري الدفاع عن الدولة لأنها أصابت أو لأنها أخطأت، بل لأنها ارتبطت بشعورٍ وجودي عميق: الخوف من الفوضى، والخوف من الفراغ، والخوف من مستقبلٍ مجهول. هذا الخوف مفهومٌ في سياقه، لكنه حين لا يُدار بالعقل يتحول إلى نزيفٍ بطيء، يستنزف المعنى، ويشوّش الرؤية، ويبدّد فرص التصحيح.

يتحوّل الدفاع هنا من حماية مؤسسةٍ قابلة للمراجعة إلى حماية هويةٍ نفسية مغلقة. وضمن هذا المنطق، يُعاد تعريف المجال العام كله؛ فتُختزل السياسة إلى اصطفاف، ويُحمَّل النقد معنى العداء، وتُعامل المساءلة كخطرٍ داخلي. ومع هذا التحول، تُستبدل الدولة بالذات، ويغدو الوطن درعًا نفسيًا، لا إطارًا جامعًا لإدارة الخلاف.

في هذا المناخ، تتغيّر وظيفة السياسة نفسها؛ إذ تنسحب من كونها إدارةً عقلانية للألم العام، وتدخل مجال إدارة المشاعر. تُقاس الفاعلية بما تمنحه من طمأنينةٍ مؤقتة، لا بما تُحدثه من تغييرٍ فعلي. ومع تراكم الخوف، يتغيّر موقع الدولة في الوعي الجمعي، فتخرج من دائرة المساءلة، وتدخل منطقة الحماية النفسية. هناك، تُؤجَّل الأسئلة التي قد تفتح مساراتٍ غير مضمونة، ويُعاد تعريف النقد ليصبح عبئًا شعوريًا بدل أن يكون أداة تصحيح.
مع الزمن، يُعاد تشكيل معنى الاستقرار؛ فلا يعود مرتبطًا بزوال الخلل، بل بغياب الاهتزاز. ويُدار التوازن الداخلي على مستوى الفرد والجماعة بوصفه هدفًا بحد ذاته، حتى لو كان قائمًا على تأجيل المشكلات لا معالجتها.

تُظهر التجارب التاريخية أن المجتمعات التي استقرّت طويلًا في هذا النمط لم تتعثر أو تتلاشى بسبب خصومها، بل بسبب عجزها عن رؤية نفسها خارج منطق التحصين. فالخوف غير المُدار لا يحمي، بل ينتج سياساتٍ مؤجلة، وقراراتٍ ناقصة، ومسؤوليةً معلّقة.

ما تحتاجه الدولة السورية في لحظتها الراهنة ليس مزيدًا من الإغلاق، بل قدرة على تحمّل النظر المباشر في الواقع. نظرٌ لا يبحث عن إدانة ولا عن تبرئة، بل عن إعادة وصل السياسة بوظيفتها الأصلية: إدارة الواقع كما هو، لا كما يُحتمل نفسيًا. عند هذه النقطة فقط، يمكن للخوف أن يتحول من عائقٍ إلى معطى، وللتحصين أن يتراجع من آلية تعطيل إلى وعيٍ قابل للتجاوز، وتستعيد المساءلة معناها بوصفها شرطًا للاستمرار لا تهديدًا له.

أيمن قاسم الرفاعي - زمان الوصل
(550)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي