الرقة اليوم تعيش حالة غضب غير مسبوقة، بعد أن توجه أهالي القتلى الذين أبلغتهم مليشيا "قسد" سابقاً بسقوط أبنائهم في المعارك إلى المقابر التي دفن فيها أبناؤهم، ليكتشفوا ما لم يكن يخطر على بال أحد: القبور فارغة، التوابيت محكمة الإغلاق بلا جثث، لا أثر لأبنائهم الذين سقطوا دفاعاً عن قضية ليست قضيتهم. لم يعد الأمر مجرد فقدان أو غياب الجثث، بل أصبح لغزاً رهيباً يطرح أسئلة عن مصير أبنائنا وما فعلت بهم مليشيا قسد طوال هذه السنوات، ويكشف عن سياسة ممنهجة لإخفاء الحقائق ومنع الأهالي من ممارسة أبسط حقوقهم الإنسانية.
هذا العبث الممنهج يترك الرقة في حالة من الغضب المتصاعد، ويثير التساؤل عن دور الحكومة السورية، التي تقع عليها مسؤولية مباشرة في حماية المدنيين وضمان معرفة مصير أبنائهم، ومحاسبة المسؤولين عن أي خرق للإنسانية. الأهالي لم يطالبوا يوماً بالسياسة أو المناكفات، بل بحقهم الطبيعي في دفن أبنائهم، ورؤية جثثهم، ومعرفة الحقيقة، لكن اليوم يجدون أنفسهم أمام صمت قاتل من "قسد" وصمت مخيف من كل الجهات الرسمية التي من المفترض أن تحميهم.
التحليلات المحتملة لمصير هذه الجثث متعددة، وكلها تزيد من حدة الغضب والمطالبة بالعدالة. قد تكون الجثث دفنت في مواقع أخرى بعيدة عن أعين الأهالي، كجزء من سياسة السيطرة والتضليل، أو ربما تم نقلها إلى أماكن مجهولة لأسباب مجهولة، الأمر الذي يفتح باب التكهنات حول احتمالية تعرض بعض الضحايا لتجارب طبية أو تورطهم في شبكات الاتجار بالأعضاء، وهي روايات متداولة لكنها لم تثبت بعد من خلال تحقيق دولي مستقل. ما يزيد الأمر سوءا هو أن كثيراً من هؤلاء الشباب لم يكونوا متطوعين، بل خطفوا أو جندوا بالقوة، وتم تغيير أسمائهم لتقطع صلتهم بعائلاتهم، ما جعل فقدان الجثث أكبر مأساة لأنه يجمع بين فقدان الحياة وفقدان الحق في معرفة الحقيقة.
أهالي الرقة اليوم يواجهون واقعاً لا يطاق، حيث القبور الفارغة تمثل رمزاً للإهمال والتلاعب من قبل مليشيا "قسد"، التي أعادت تعريف الجريمة الإنسانية على أرض الرقة، ومنعت الأهالي حتى من مجرد إلقاء نظرة أخيرة على أبنائهم. الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع والمجتمع الدولي مسؤولون اليوم عن كشف الحقيقة، وفتح المقابر تحت إشراف جهات محايدة، وتسليم سجلات القتلى والمختفين، ومحاسبة كل من شارك أو تواطأ في هذا العبث بمصائر شباب الرقة الأبرياء. أي صمت أو تأجيل للتحقيق يعني مشاركة فعلية في الجريمة، ويزيد من مأساة الأهالي وغليان الشارع، الذي أصبح غير قادر على الانتظار أو التبرير.
الرقة تصرخ بكل قوة: أين أبناؤنا؟ لماذا كانت التوابيت فارغة؟ من يتحمل المسؤولية عن العبث بمصائر شبابنا الأبرياء؟ مليشيا "قسد"، بما فعلت وما ترفض كشفه، أصبحت متهمة رسمياً أمام كل ضمير حي بانتهاك صارخ للإنسانية والقانون الدولي الإنساني، ولا يمكن السكوت عن هذا العبث مهما حاول البعض تبريره. الشارع الرقي يغلي، والأهالي يطالبون اليوم بحقيقة واضحة، وبقرار عاجل من الحكومة السورية والمجتمع الدولي لوقف هذا العبث، وكشف مصير أبنائهم قبل أن تتحول هذه المأساة إلى كارثة إنسانية أكبر.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية