أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

(الفصل الثاني).. اغتيال داود جندو: حين قطّع رأس الدفاع الآشوري وسحبت الحماية بالقوة

إلياس ناصر وداوود جندو

لم يكن اغتيال داود جندو في ربيع عام 2015 حدثاً منفصلاً عما جرى في قرى الخابور قبل أسابيع، بل كان تتمة مباشرة لمسار بدأ بنزع السلاح ثم توج بتصفية كل محاولة للدفاع الذاتي المستقل. داود جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية المعروفة بـ"حرس الخابور"، لم يكن زعيم ميليشيا ولا صاحب مشروع سياسي، بل رجلا خرج من القرى نفسها ليؤمن الحد الأدنى من الحماية لأهله بعد أن تبين لهم أن الوعود التي قدمت لهم لم تكن سوى غطاء مؤقت. هذا الدور، تحديداً، هو ما جعله هدفاً.

في نيسان 2015، وبين بلدتي تل تمر وهلمون، وقع الكمين الذي أُعد بعناية. الرواية الرسمية التي سوقت سريعاً حملت تنظيم "داعش" المسؤولية، لكن ما تكشف لاحقاً من شهادات ووقائع، وعلى رأسها شهادة إلياس ناصر الذي نجا من محاولة اغتيال في الحادثة نفسها، أظهر صورة مغايرة. إلياس ناصر، الذي كان برفقة جندو، أكد أن إطلاق النار لم يأتِ من الجهة التي قيل إنها لـ"داعش"، وأن الكمين نفذ في منطقة تخضع عمليا لسيطرة وحدات الحماية الكردية، ما جعل الرواية المتداولة غير متماسكة منذ لحظتها الأولى.

لم يكن جندو مطلوباً لأنه حمل السلاح، بل لأنه رفض تسليمه. رفض أن تدمج قوة حرس الخابور ضمن تشكيلات حزبية، ورفض أن يتحول أبناء القرى الآشورية إلى مجرد ورقة تستخدم عند الحاجة ثم ترمى. هذا الرفض جعله عقبة يجب إزالتها، لا سيما بعد أن أثبتت تجربة اجتياح "داعش" أن وجود قوة محلية مستقلة يفسد سيناريو السيطرة الكاملة على المنطقة.

عقب اغتياله، لم يفتح تحقيق شفاف، ولم تقدم رواية مدعومة بأدلة ميدانية مقنعة. بدلاً من ذلك، جرى تثبيت رواية جاهزة، ثم أغلق الملف عملياً، بينما خضع الناجون وأقارب الضحية لضغوط مباشرة وغير مباشرة، جعلت أي محاولة للمساءلة مخاطرة حقيقية. منذ تلك اللحظة، بدأ تفكيك ما تبقى من حرس الخابور، وتحول السلاح الذي كان لحماية القرى إلى سلاح محظور، فيما فُرض على الأهالي خيار واحد: القبول بالأمر الواقع أو مواجهة العزل والتضييق.

اغتيال داود جندو لم يكن مجرد قتل رجل، بل قطع رأس بنية دفاعية ناشئة، وإيصال رسالة واضحة لكل من يفكر بتكرار التجربة: لا مكان لأي قوة مسيحية آشورية مستقلة خارج الإطار الذي يسمح به. بعده، بات الطريق مفتوحاً لتحويل القرى إلى نقاط تماس، واستخدام سكانها كدروع بشرية عند الحاجة، ثم الحديث باسمهم في المنابر السياسية بوصفهم "أقليات محمية".

اللافت أن هذا الاغتيال جاء بعد أسابيع فقط من اجتياح "داعش" لقرى الخابور، في توقيت كان يفترض أن يعاد فيه التفكير جذرياً بمنظومة الحماية، لا أن يصفى من حاول سد الفراغ. لكن ما حدث كان العكس تماماً: أزيل من حاول الدفاع، وبقي من وعد بالحماية دون أن يفي بها، ثم أعيد إنتاج الرواية نفسها لاحقاً بأسماء وشعارات مختلفة.

بهذا الاغتيال، لم يغلق ملف الخابور، بل فتح على مصراعيه. فمنذ 2015، دخلت القرى الآشورية مرحلة جديدة عنوانها السيطرة البطيئة، والضغط المتراكم، وتحويل الوجود التاريخي إلى عبء سياسي يدار لا مجتمعاً يحمى. وما سيأتي لاحقاً، من حصار القرى وإجبار السكان على حمل السلاح وإغلاق مدارسهم وتحويل كنائسهم إلى مقار عسكرية، لم يكن انحرافاً عن المسار، بل نتيجته الطبيعية.

ريم الناصر - زمان الوصل
(7)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي