أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هيئة المفقودين.. الجهة الباردة جداً

بعد سنة وشهرين على سقوط النظام، لا تزال آلاف العائلات السورية عالقة في تلك المنطقة الرمادية القاتلة: لا خبر مؤكداً، ولا حقيقة مكتملة، ولا حتى رواية رسمية واحدة يمكن لعائلة أن تسند إليها ظهرها المنهك.

هيئة المفقودين، التي يُفترض أن تكون وجه الدولة الرحيم في أكثر الملفات وجعاً، لم تغادر بعد مربع "الاستقبال" لتنتقل إلى "المكاشفة". كل ما نراه هو بيانات عامة، ووعود مؤجلة، ولغة إدارية جافة تثير الصقيع، ولا تشبه أبداً حجم النار المشتعلة في صدور الأمهات والآباء.

من حق ولي الدم أن يضع حداً لأسئلته: أين قُتل ابني؟ في أي فرع؟ متى؟ وتحت مسؤولية من؟

لا يمكن أن نطلب من ذوي الضحايا تقديم شكاوى أو سلوك مسارات قانونية معقدة وهم محرومون من أبسط حق: المعرفة.

ملف الشهداء تحت التعذيب ليس مجرد ملف تقني، ولا أرشيفاً يمكن تأجيله، ولا عبئاً إدارياً نريد التخلص منه. إنه الاختبار الأخلاقي والسياسي الأول والحقيقي للدولة الجديدة. المطلوب الآن هو إعلان ما هو متوفر فوراً: قوائم أولية، أسماء الفروع، تواريخ تقريبية، وهيكل المسؤولية، حتى وإن كان غير مكتمل.

السؤال يمتد أيضاً، وبغصة، إلى الجهات الحقوقية..

تلك الجهات التي تملأ الفضاء العام بالدراسات والتقارير والمنهجيات، لكنها تتجمد دائماً عند النقطة الأكثر إيلاماً: الأسماء.

نقرأ تقارير مطولة، وجداول بيانية منسقة، ومنهجيات توثيق صارمة، لكننا لا نجد أسماء الضحايا، ولا تحديداً صريحاً للمجرمين، ولا ربطاً مباشراً بين القتل ومرتكبه. يُختزل الموت تحت التعذيب في مجرد "أرقام"، وتُعاد صياغة المأساة بلغة باردة تشبه لغة الدوائر الرسمية التي من المفترض أن تراقبها هذه المنظمات، لا أن تقلدها.

السؤال هنا مشروع، وقاسٍ جداً:
هل هذا ما ينتظره أهل الضحايا؟ هل ينتظرون دراسة جديدة؟ أم نشرة توثيق إضافية؟ أم ورقة عمل تُعرض في مؤتمر دولي أنيق، بينما الأم في بيتها لا تعرف حتى في أي قبو قضى ابنها نحبه؟

إن العمل الحقوقي حين ينفصل عن حق العائلات في "اليقين"، يتحول من أداة للمساءلة إلى مجرد تمرين بيروقراطي لا يسمن ولا يغني من جوع.
لا أحد يطالب بتجاوز المعايير المهنية، ولكن بين الصمت المطبق وبين النشر المسؤول مساحة شاسعة لم تُلمس بعد. 

أولياء الدم لا يبحثون عن توصيف أكاديمي لأوجاعهم؛ هم يبحثون عن اسم، ومكان، ومسؤول.

بين هيئة مفقودين تخشى الإفصاح، وجهات حقوقية تكتفي بالتوثيق المجرد، يبقى الضحايا معلّقين في التيه.. لا هم أحياء ننتظر عودتهم، ولا هم شهداء معترف بهم نكرم ذكراهم ونغلق ملفاتهم.
وهنا بالضبط، تكمن الخطورة.

الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
(11)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي