لم تعد أزمة السيولة في سورية مجرد "عطل فني" أو زحام عابر أمام الصرافات، بل باتت تعبيراً صارخاً عن أزمة هيكلية تضرب عمق العملية الائتمانية.
إن مشهد حاكم المصرف المركزي وهو يوجه المصارف لـ "التوزيع العادل" للسيولة المتاحة، يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن الجهاز المصرفي يعيش حالة "انكماش قسري"، حيث تتبدد الثقة مع كل طلب سحب يُرفض أو يُؤجل.
تشخيص الأزمة: هروب الأموال إلى "الوسائد"
المشكلة الجوهرية لا تكمن في نقص الأوراق النقدية ككتلة مطبوعة بقدر ما تكمن في سرعة دوران النقد. عندما يفقد المودع يقينه بالقدرة على استعادة ماله في أي لحظة، يتحول سلوكه فوراً من "الادخار المصرفي" إلى "الاكتناز المنزلي".
هذا السلوك يخلق حلقة مفرغة؛ فالمصارف التي لا تتلقى إيداعات جديدة تجد نفسها عاجزة عن تلبية السحوبات، مما يدفع المركزي لفرض قيود أكثر صرامة، فتزداد مخاوف الناس، وهكذا يخرج المال من الدورة الاقتصادية إلى "الوسائد" والعملات الصعبة والذهب.
الرواتب والودائع: خلط المفاهيم الاقتصادية
إن التوجيه بتقديم الرواتب على الودائع، رغم بعده الاجتماعي الإنساني، يمثل "خطيئة اقتصادية" في فقه المصارف. فالوديعة هي عقد أمانة ملزم، والمساس بقدسيتها أو وضعها في طابور انتظار خلف التزامات الدولة (الرواتب) يبعث برسالة سلبية للمستثمر والمودع على حد سواء، مفادها أن أموالكم قد تُصادر لصالح الإنفاق العام في أي لحظة ضيق.
الحلول الممكنة: من "الجباية" إلى "التحفيز"
لخروج المركزي من هذا المأزق، لا بد من الانتقال من دور "المراقب الزجري" الذي يلوح بالعقوبات، إلى دور "المحفز الاقتصادي". وتتمثل الحلول العاجلة في ثلاثة محاور:
- تحرير السحوبات تدريجياً وبضمانات: يجب على المركزي ضخ سيولة طارئة للمصارف (Lender of Last Resort) لتمكينها من تلبية الطلبات دون قيود، فبمجرد أن يشعر الناس أن المال "متاح"، سيتوقف التهافت على السحب.
- الرقمنة الشاملة: لا يمكن حل أزمة "الكاش" إلا بتقليل الحاجة إليه. إن تفعيل الدفع الإلكتروني في أبسط المعاملات اليومية سيجعل الأموال تتحرك رقمياً داخل النظام المصرفي دون الحاجة لمغادرته.
- رفع الفائدة الحقيقية: يجب أن تكون الفائدة على الإيداعات مغرية بما يكفي لتعويض مخاطر التضخم، مما يحفز الكتلة النقدية الهاربة على العودة إلى الخزائن الرسمية.
كلمات قاسية:
إن استعادة الثقة بالليرة وبالقطاع المصرفي لا تمر عبر المنشورات التوضيحية أو التهديد بمعاقبة فروع المصارف، بل تمر عبر "حرية المال". فالاقتصاد الحر يتنفس من رئتي التداول، وما يمارسه المركزي اليوم هو "إنعاش اصطناعي" لن يصمد طويلاً أمام حقائق السوق المرة
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية