لم تنتهِ جريمة الهوتة بسقوط تنظيم "داعش"، بل دخلت مرحلة أشد صمتاً بعد سيطرة مليشيا "قسد" على المنطقة. فالحفرة التي تحولت في عهد التنظيم إلى مقبرة جماعية، لم تغلق، ولم تصنف موقع جريمة، ولم تُؤمَّن أو تُخضع لتحقيق شفاف، بل تُركت مفتوحة، خارج أي مسار عدالة، وكأنها أداة جاهزة لإعادة الاستخدام.
بعد خروج "داعش"، كان من المفترض أن تكون الهوتة أول ملف يفتح، وأول موقع يُحمى، وأول شاهد يُنصت إليه، لكن ما جرى فعلياً هو العكس تماماً: صمت، وتقييد للمعلومات، وتجريم للحديث، في وقت بدأت فيه شهادات محلية متطابقة تؤكد أن الحفرة استخدمت مجدداً ، وبالطريقة ذاتها، للتخلص من معتقلين.
قبل الثورة، كانت الهوتة معلماً طبيعيا معروفاً لأهالي المنطقة، ولم تكن مقبرة. ومع اندلاع الثورة، مارس نظام الأسد الإخفاء القسري والقتل خارج القانون على نطاق واسع، لكنه لم يجعل من الهوتة أداة مركزية. التحول الحقيقي بدأ مع سيطرة تنظيم "داعش" بين عامي 2013 و2015، حين حول الحفرة إلى مكب منهجي للجثث والأحياء، عبر الرمي المباشر لمعتقلين معصوبي الأعين، وتوثيق ذلك بمقاطع مصورة، ثم محاولة طمس الأدلة لاحقاً عبر إحراق الجثث بالنفط الخام. هذه المرحلة موثقة بشهادات محلية واسعة، وبمواد نشرها التنظيم نفسه.
في مايو/أيار 2020، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها حول الهوتة، مؤكدة استخدام تنظيم "داعش" لها كمقبرة جماعية، ومعتمدة في ذلك على صور أقمار صناعية، وطائرة مسيرة، ومقاطع فيديو، ومقابلات مع سكان محليين. إلا أن أخطر ما كشفه التقرير لم يكن فقط ما فعله "داعش"، بل ما ظهر بعده؛ إذ وثقت الطائرة المسيّرة وجود جثث في قاع الحفرة تعود لفترة لاحقة لخروج التنظيم، مع تأكيد خبراء الطب الشرعي أن حالة التحلل تشير إلى أنها ليست من مرحلة سيطرة "داعش". التقرير لم يسم الجهة المسؤولة، لكنه وضع حقيقة لا يمكن تجاوزها: القتل لم يتوقف بخروج التنظيم، وفي تلك المرحلة كانت قسد هي القوة المسيطرة فعلياً على المنطقة.
خلال فترة سيطرة "قسد"، لم تفتح الهوتة كملف عدالة، بل تحولت إلى مكان محظور الكلام. الحديث عنها كان كافياً لجلب التهديد، وشهادات السكان المحليين أكدت تكرار مشاهد سيارات يقودها مسلحون مقنعون، ومعتقلين معصوبي الأعين، ينقلون إلى محيط الحفرة ثم يختفون. من بين أخطر الشهادات التي حصلت عليها، شهادة من أحد أبناء مدينة سلوك، تؤكد قيام عناصر من "قسد" باعتقال شاب وشابة عرسان، معصوبي الأعين، واقتيادهما إلى الهوتة ورميهما فيها. هذه الشهادة ليست رواية متداولة، بل إفادة مباشرة قدمت مني شخصيا إلى فريق منظمة هيومن رايتس ووتش أثناء عملهم على ملف الهوتة.
أنا ريم الناصر، أكتب هذا النص بوصفي شاهداً مباشراً على مرحلة سيطرة "قسد"، وبوصفي أحد الذين قدموا شهاداتهم الميدانية مباشرة لفريق هيومن رايتس ووتش، استناداً إلى معايشة شخصية، وشهادات محلية موثوقة، وتقارير دولية منشورة. ما يرد هنا ليس اتهاماً إنشائيا، بل توثيق لمرحلة جرى فيها استخدام الصمت كسلاح، وترك مقبرة جماعية بلا اسم ولا محاسبة.
الهوتة اليوم ليست قصة من الماضي، بل ملف جنائي مفتوح. وأي سلطة سيطرت على المكان وامتنعت عن كشف الحقيقة، تتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار الجريمة. المطلوب اليوم ليس بيانات قلق، بل خطوات واضحة لا تقبل التأجيل: فتح تحقيق دولي مستقل حول كل ما جرى في الهوتة بعد خروج "داعش"، تأمين الموقع ومنع العبث به، استخراج الرفات بإشراف فرق طب شرعي دولية، وتحديد المسؤوليات عن الجثث التي ألقيت خلال فترة سيطرة "قسد" دون أي حصانة سياسية أو عسكرية. كما تتحمل الحكومة السورية والمجتمع الدولي مسؤولية عدم ترك الهوتة مقبرة قابلة لإعادة الاستخدام. الهوتة يجب أن تغلق، لا بالإسمنت، بل بالحقيقة والمحاسبة والعدالة.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية