أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الثورة السورية بين من دفع الدم… ومن حصد المكاسب

في بداية الثورة السورية، وتحديدًا في شهر أيار/مايو 2011، استقليتُ سيارة أجرة يقودها سائق كردي من مدينة حلب. دار بيننا حديث عن الأحداث التي اندلعت في درعا، فسألته عن سبب غياب الدعم الكردي الواضح آنذاك، رغم أن الأكراد كانوا من أكثر المكونات التي تعرّضت للقمع من قبل نظام الأسد، ولا سيما بعد أحداث القامشلي عام 2004.

أجابني بهدوء وبرود لافتين قائلاً: نحن ننتظركم حتى تقوموا، وتُقمعوا، وتُسجنوا، وبعدها نقطف  الثمار ونحصد النتائج. لم يكن كلامه انفعاليًا أو مرتجلًا، بل بدا وكأنه موقف محسوب أو رؤية جاهزة. استمر النقاش قرابة ربع ساعة وسط زحمة الطريق، لكنني شعرت بعدم ارتياح شديد، وطلبت منه أن يُنزلني في مكانٍ غير الذي كنت أقصده.

بعد ثلاث سنوات، وفي منتصف عام 2014، دُعيت مع مجموعة من القادة الميدانيين إلى مأدبة غداء في بلدة الباسوطة بريف عفرين، بدعوة من ضابط كردي برتبة عقيد. دار الحديث حول مسار الثورة السورية، وحالة الفوضى التنظيمية في صفوف الجيش الحر، وصعود تنظيم داعش، إلا أن هاجسهم الأساسي لم يكن النظام ولا داعش، بل فصيلاً آخر.

خلال اللقاء، طُلب من القادة الميدانيين الدخول في قتال مباشر مع جبهة النصرة. ردّ أحدهم بأن النصرة تقاتل إلى جانبهم ضد النظام، وأن عناصرها قدّموا دعمًا للثوار، ولم يرتكبوا ما يسيء إلى الشعب السوري. فجاء رد الضابط حادًا: هم أخطر علينا من النظام ومن داعش. ثم قال بوضوح صادم: عندما تقاتلونهم سنمدّكم بالمال والسلاح.

لم يعجبني الحديث، ودخلت في سجال مع الضابط، فهَمَس لي قائلاً: عناصر داعش مستعدون لتفجير أنفسهم في سبيل بناء دولتهم، ونحن درّبنا عناصرنا على التضحية في سبيل بناء دولتنا . ورغم ركاكة لغته العربية، قال بالفصحى: نحن متدعشنون أكثر من الدواعش.

انتهى اللقاء دون التوصل إلى أي اتفاق، لكن أثره لم ينتهِ عند ذلك الحد. فقد بدت الصورة أوضح بكثير: ما سمعته من سائق التاكسي عام 2011 لم يكن رأيًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من منطق سياسي يرى في الثورة السورية فرصة استثمار، لا مشروع تحرر. منطق يقوم على الانتظار، والاستنزاف، ثم فرض الوقائع.

في هذا السياق، لم تُعامَل الثورة بوصفها ثورة شعب على الاستبداد، بل كمرحلة فوضى يمكن استغلالها. تحوّلت دماء الشهداء إلى كلفة محسوبة، والسجون إلى مرحلة إنهاك، والمدن المدمرة إلى فراغ جغرافي قابل لإعادة التشكيل بما يخدم مشروعًا خاصًا، لا وطنًا جامعًا.

هذه الشهادة لا تهدف إلى تعميم الاتهام على مكوّن كامل، ولا إلى إنكار مظالم حقيقية عانى منها الأكراد وغيرهم، بل إلى توثيق وقائع وتجارب شخصية عشتها، وأظهرت لي كيف استُغلت ثورة السوريين من أطراف متعددة، ليس أقلها أولئك الذين انتظروا انهيار البلاد ليبنوا مشروعهم على حساب دماء السوريين، وعلى حساب أكثر من مليون شهيد خرجوا مطالبين بالحرية، لا بالتقسيم، ولا بتبديل طغيان بآخر.

بين صورة السائق في ربيع 2011 وحديث الضابط في 2014، تكشّف وجه آخر من وجوه المأساة السورية: ثورة شعبية حقيقية اختُطفت، لا من النظام وأدواته فحسب، بل أيضًا من قوى انتظرت إنهاك المجتمع لتبني مشروعها الخاص. لم يسقط الشهداء من أجل أعلام بديلة، ولا حدود جديدة، بل من أجل الحرية والكرامة.

الوجع الحقيقي لا يكمن في اختلاف الهويات ولا في تعدد المظالم، بل في تحويل الثورة إلى سوق: من يدفع أقل دم، ويجني أكبر مكسب. وفي هذا السوق، كان السوري البسيط—الذي خرج يهتف للحرية—هو الخاسر الأكبر، بينما جلس آخرون يعدّون الأرباح على أنقاض وطنٍ محترق.

جمعة علي - زمان الوصل
(1487)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي