في أروقة السياسة السورية، وفي صالونات النخب المهتمة بالشأن العام، يعود اسم المتحدث السابق باسم الخارجية السورية، جهاد مقدسي، ليطرح تساؤلات شائكة حول "معايير الوطنية" و"فقه المصالح".
الرجل الذي انشق في وقت مبكر (نهاية 2012) وغادر دمشق محتجاً على الخيار العسكري، يجد نفسه اليوم في مرمى نيران مزدوجة؛ نيران الفلول الذي يعتبرونه خائناً، ونيران قطاع من "سوريا الجديدة" لا يغفر له ماضيه الرسمي.
المؤهلات في كفة.. والماضي في كفة
لا يختلف اثنان على أن مقدسي يمتلك أدوات "الدبلوماسي العصري"؛ لغة إنجليزية متقنة، فهم عميق لدهاليز السياسة الدولية، وكاريزما افتقدها الكثير من وجوه المعارضة التقليدية السابقة. هذه الصفات هي بالضبط ما تحتاجه سوريا في واشنطن—مركز صناعة القرار العالمي—لإقناع الإدارة الأمريكية بملفات شائكة ومعقدة.
ومع ذلك، يصطدم هذا الطرح بحائط صدٍّ نفسي وسياسي، يتمثل في "عقدة المنظومة". فالسؤال الذي يطرحه الشارع المحتقن: كيف نأتمن من كان يوماً صوتاً للنظام على تمثيل ثورة قامت ضده؟
مفارقة "المصالحات" وازدواجية المعايير
تكمن المفارقة الكبرى في المشهد السوري الحالي بوجود نوع من "انفصام المعايير". فبينما نشهد اليوم مسارات "مصالحة" مع شخصيات بقيت تدافع عن النظام حتى لحظات سقوطه أو ترهله، يُحارَب مقدسي الذي اتخذ موقفاً أخلاقياً وسياسياً بالانشقاق المبكر نهاية عام 2012.
هذا التناقض يضعنا أمام تساؤل جوهري:
- إذا كنا جميعاً، كبنية مجتمعية ومؤسساتية، كنا جزءاً من "دولة الأسد" قبل أن نثور عليها، فلماذا يُحرم التكنوقراط والخبراء من حق "التكفير السياسي" والعمل لخدمة سوريا الجديدة؟
- هل تملك سوريا ترف استبعاد الخبرات النوعية في وقت تحتاج فيه الدولة لكل عقل دبلوماسي قادر على فك شفرات المجتمع الدولي؟
واشنطن لا تبحث عن "ثوار" بل عن "محترفين"
في الدوائر السياسية الأمريكية، لا يُقاس النجاح بمدى "طهرانية" السجل الثوري بقدر ما يُقاس بالقدرة على الإقناع وتحقيق المصالح المشتركة.
جهاد مقدسي، بخلفيته الدبلوماسية، يمثل "اللغة المشتركة" التي يفهمها البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية. استبعاده بناءً على مواقف عاطفية قد يعني خسارة صوت سوري مسموع في عاصمة القرار.
خلاصة القول: إن الجدل حول مقدسي ليس جدلاً حول شخصه بقدر ما هو جدل حول هوية سوريا القادمة: هل ستكون دولة قائمة على "المحاصصة الثورية" والإقصاء، أم دولة "المؤسسات والكفاءات" التي تستوعب أبناءها الذين انحازوا للشعب، بغض النظر عن تاريخهم الوظيفي؟
- عمل مقدسي وهو مواليد 1974 لأسرة مسيحية، في السفارة السورية بواشنطن عام 2000.
- عمل مقدسي في السفارة السورية بلندن لمدة خمس سنوات.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية