في خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول معايير الكفاءة والمهنية في "سورية الجديدة"، استكملت وزارة الخارجية هيكلة بعثاتها الدبلوماسية عبر تعيين طاقم كامل من مدراء "إدارة الشؤون السياسية" سابقاً في أهم عواصم العالم.
هذا "الإنزال الدبلوماسي" لأسماء ارتبطت حصراً بمنظومة سياسية واحدة، يضع الدولة السورية أمام معضلة حقيقية في موازنة الولاء التنظيمي مع متطلبات الدبلوماسية الدولية المعقدة.
توزيع الغنائم الدبلوماسية
شملت التعيينات أسماءً كانت تشكل "المكتب السياسي" الضيق الذي أدار شؤون الشمال السوري لسنوات، حيث تم إرسالهم كواجهات رسمية لتمثيل البلاد:
- محمد قناطري (واشنطن)
- أشهد صليبي (موسكو)
- محسن مهباش (الرياض)
- د. محمد الأحمد (القاهرة)
- إياد الهزاع (بيروت)
- محمد براء شكري (ألمانيا)
- زكريا لبابيدي (الصين).
بينما برز اسم محمد ياسر كحالة كـ "اللاعب المركزي" المستثنى من السلك الخارجي، ليتولى منصب مدير الأمانة العامة للشؤون السياسية في وزارة الخارجية؛ وهو المنصب الذي يمنحه صلاحيات واسعة في هندسة الخريطة الحزبية والانتخابية، مما يجعله "المحرك الداخلي" للمنظومة بعيداً عن أضواء السفارات.
غياب "الأكاديمية" وسقوط معيار الكفاءة
يأتي هذا التوجه ليثير موجة انتقادات حادة من قبل الأوساط الأكاديمية والحقوقيين السوريين، وتتركز هذه الانتقادات في نقاط جوهرية:
- فقر الخبرة التراكمية: تعاني هذه القائمة من غياب تام للكوادر الدبلوماسية المحترفة التي تدرجت في السلك الدبلوماسي أو تحمل تخصصات أكاديمية في "العلاقات الدولية". الاعتماد على "الممارسة الميدانية" في إدارة الصراع لا يكفي للتعامل مع بروتوكولات الأمم المتحدة أو تعقيدات القانون الدولي، مما قد يحول السفارات إلى مجرد مكاتب إعلامية تفتقر لعمق المناورة السياسية.
- تكريس "دبلوماسية الفصيل": إن حصر التمثيل الخارجي في "لون واحد" يُجهض فكرة "الدولة الجامعة". هذا الاحتكار يقصي الكفاءات التكنوقراطية والمستقلين الذين يمتلكون شبكة علاقات دولية أوسع، ويعطي انطباعاً للمجتمع الدولي بأن الخارجية السورية هي امتداد لـ "إدارة فصائلية" بزيّ مدني، وليست مؤسسة وطنية تمثل كافة أطياف الشعب.
- تحدي القبول الدولي: يواجه هؤلاء السفراء جداراً من الريبة في العواصم الغربية (واشنطن وبرلين تحديداً)، حيث لا تزال خلفياتهم المرتبطة بـ "النواة الصلبة" تثير هواجس أمنية وسياسية، ما قد يعطل ملفات حيوية مثل الاعتراف الكامل أو رفع العقوبات.
هروب من المؤسسة إلى التنظيم
إن إصرار الوزارة على تعيين مدراء "الإدارة السياسية" السابقين هو محاولة واضحة لتحصين "مطبخ القرار" السياسي الخارجي وضمان ولائه المطلق. ولكن، في لغة الدول، يظل "الولاء" معياراً قاصراً إذا لم يقترن بـ "الأهلية الأكاديمية".
تبقى الخارجية السورية اليوم أمام تحدي إثبات أنها مؤسسة دولة، وليست مجرد "إعادة تدوير" لمكاتب سياسية كانت تدير أزمة، واليوم يُطلب منها إدارة دولة في ظروف دولية لا تعترف إلا بلغة المحترفين.
رئيس التحرير - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية