أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

إثبات الملكيات العقارية في سوريا: "المعركة الأولى" للعائدين بعد سقوط النظام

يواجه آلاف السوريين العائدين إلى ديارهم عقب سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، تحدياً لا يقل قسوة عن سنوات التهجير؛ إذ تحولت عملية استعادة منازلهم إلى معركة قانونية معقدة. وبحسب تقرير الوحدة السورية "سراج" فبين ركام الأبنية والوثائق المحترقة وسجلات التزوير، يجد المواطن نفسه مطالباً بإثبات ملكيته لبيتٍ سكنه لعقود، في ظل منظومة قانونية متشابكة وضياع واسع للثبوتيات الرسمية.

الذاكرة المنهوبة.. بيوت بأسماء غرباء
تختصر قصة "عبد الهادي أبو حرب"، العائد إلى مدينة داريا، مأساة جيل كامل. فبعد سنوات من النزوح، عاد ليجد منزله الأول مأهولاً بغرباء ادعوا شراءه عبر وسطاء رحلوا عن الحياة، بينما تعرض منزل عائلته الموروث لعمليات بيع متكررة بموجب عقود مزورة استغلت فترة غيابه القسري.

يقول أبو حرب بأسى: "خسرنا البيت ثلاث مرات؛ مرة تحت القصف، ومرة حين احترق، واليوم حين وجدناه بيد غيرنا.. كأننا نخسر الذاكرة نفسها".

تشابك قانوني وإرث ثقيل
يرى خبراء قانونيون أن الأزمة العقارية في سوريا ليست ناتجة فقط عن الحرب، بل عن "تركة قانونية ثقيلة". ويوضح القاضي أنور مجني أن هناك نحو 200 قانون متعلق بالعقارات في سوريا، وكثير منها متعارض، مما يجعل إيجاد حلول شاملة أمراً بالغ الصعوبة دون صياغة قانون عقاري موحد.

وتتفاقم المعاناة بشكل خاص في مناطق "السكن العشوائي" بدمشق وريفها، حيث كانت معظم عمليات البيع والشراء تتم تاريخياً عبر "عقود عرفية" خارج الدوائر الرسمية (بعيداً عن الطابو الأخضر)، مما يجعل إثبات الملكية اليوم يعتمد على قرائن ثانوية مثل فواتير الكهرباء والمياه أو شهادة الجيران.

عوائق إدارية وشروط شبه مستحيلة
رغم محاولات وزارة العدل في الحكومة الانتقالية تنظيم "ترميم السجلات العقارية"، إلا أن الشروط الموضوعة قد تبدو تعجيزية للبعض. ففي تعميم صدر في نوفمبر 2025، اشترطت الوزارة وجود نسخة "طبق الأصل" عن الوثيقة المفقودة لقبول طلب الترميم، وهو ما يفتقر إليه معظم المهجرين الذين فروا من الموت دون أن يحملوا معهم سوى ملابسهم.

وفي غياب الوثائق الكتابية، يضطر الملاك للجوء إلى القضاء، وهو مسار يصفه الخبير القانوني مالك العودة بأنه "مرهق وبطيء"، حيث يعتمد على التحقيقات القضائية وسماع الشهود، مما يعطل قدرة العائدين على الاستقرار أو البدء بترميم منازلهم المدمرة.

التزوير.. سلاح الحرب الصامت
كشف التحقيق عن استغلال شبكات من السماسرة لغياب الملاك الحقيقيين خلال سنوات النزاع، حيث جرت عمليات "غصب عقارات" وتزوير هويات ووكالات لبيع بيوت المهجرين. وفي بعض الحالات، كانت الأجهزة الأمنية قبل سقوط النظام تفرض "موافقات أمنية" حتى يتمكن الشخص من دخول منزله، وهي ثغرة استُغلت لابتزاز العائدين أو تثبيت واقع الاستيلاء على ممتلكاتهم.

خلاصة الأزمة
تظل قضية الملكيات العقارية القنبلة الموقوتة التي تهدد السلم الأهلي في سوريا ما بعد الحرب. فبينما تحاول المؤسسات القانونية الجديدة لملمة شتات السجلات المحترقة، يبقى المواطن السوري معلقاً بين حقه التاريخي في منزله، وبين واقع قانوني يطالبه بإثبات "البديهيات" وسط ركام الضياع.


التقرير الكامل .. اضغط هنا

زمان الوصل
(10)    هل أعجبتك المقالة (533)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي