أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الرقة فوق الفراغ: كيف استثمرت المليارات تحت الأرض وتركت المدينة للدمار

تظهر الصور الجوية التي بثتها قناة الجزيرة مدينة الرقة كمساحة متوقفة عند لحظة الدمار: أحياء مهدمة، بنى تحتية مهملة، وغياب شبه كامل لمشاريع إعادة إعمار حقيقية. تصبح هذه الصورة أكثر إرباكاً حين توضع في سياقها الأوسع؛ فالرقة تقع في قلب منطقة الجزيرة السورية، إحدى أغنى مناطق البلاد بالموارد الزراعية والنفطية، وتلقت خلال السنوات الماضية دعماً دولياً ومالياً واسعاً تحت عناوين الاستقرار ومرحلة ما بعد داعش، من دون أن ينعكس ذلك تحولاً ملموساً في حياة المدينة أو سكانها.

في المقابل، كُشف عن شبكة أنفاق واسعة تحت المدينة ومحيطها، تمتد بين أحياء الرقة والطبقة وعين عيسى، وبعضها يصل إلى منشآت حساسة كسد الفرات ومراكز أمنية ومشافٍ. ووفق مصادر هندسية مطلعة، لم تُحفر هذه الأنفاق بوصفها ممرات طوارئ محدودة، بل شُيدت كبنية متكاملة تضم تدعيماً خرسانياً كثيفاً، غرفاً متعددة الاستخدام، أنظمة تهوية وكهرباء، ومقاطع مجهزة بتقسيمات داخلية عالية الكلفة. المفارقة لا تكمن في وجود الأنفاق بحد ذاته، بل في أن الاستثمار الأكبر جرى تحت الأرض، بينما تركت المدينة فوقها في حالة جمود ودمار مزمن.

هذا التناقض يطرح سؤال الأولويات لا سؤال الموارد. فغياب التنمية لا يبدو ناتجاً عن شحّ المال، بل عن طريقة توجيهه. منطقة تملك ثروات طبيعية وزراعية، وتلقت دعماً دولياً معلناً بمئات ملايين الدولارات، لا يُفترض أن تبقى مدينتها المركزية على هذا القدر من الإهمال، إلا إذا كانت تُدار بوصفها ملفاً أمنياً طويل الأمد أكثر من كونها مشروعاً مدنياً لإعادة الحياة.

حتى اللحظة، لم تشهد الرقة دخول فرق هندسية دولية مستقلة لتقييم الأثر البنيوي لشبكات الأنفاق. لا مسح جيولوجياً شاملاً أُعلن، ولا تقارير منشورة حول قدرة المباني المتضررة على الصمود فوق هذا الفراغ الممتد تحتها، ولا تقديرات رسمية لاحتمالات الانهيارات المستقبلية. وفي تجارب دولية مماثلة، كما في الموصل بعد داعش أو سراييفو بعد الحرب، شكّل إرسال خبراء التربة والإنشاءات الخطوة الأولى قبل أي عملية إعادة إعمار. غياب هذه الخطوة في الرقة يفتح الباب أمام مخاطر مؤجلة لا تُناقش علناً.


وعلى عكس ما جرى الترويج له في بعض الخطابات، لم تتحول أنفاق "قسد" في الذاكرة الشعبية إلى أسطورة صمود أو رمز مقاومة، كما هو الحال مع أنفاق غزة أو أنفاق "الفيتكونغ" في فيتنام. فالفارق هنا ليس تقنياً فحسب، بل نفسياً واجتماعياً وسياسياً. أنفاق غزة ارتبطت بمحاولة تحييد التفوق الجوي وحماية مجتمع محاصر، فيما شكّلت أنفاق فيتنام نمط حياة متكاملاً تحت الأرض، يضم مشافي ومدارس وأسواقاً، كامتداد لبيئة شعبية حاضنة.

أما أنفاق "قسد"، فقد ارتبطت في الذاكرة الشعبية بعسكر حزب العمال الكردستاني القادمين من جبال قنديل، وبنمط حياة انعزالي تحت الأرض، أقرب إلى ملاذ آمن مغلق يحتمي فيه المقاتلون ممن هم فوق الأرض أكثر مما يحتمون من القصف الجوي نفسه. لم تكن هذه الأنفاق تعبيراً عن اندماج مع المدينة أو دفاعاً عنها، بل انعكاساً لعلاقة متوترة مع محيط اجتماعي لا يرى فيها قوة تمثله أو تحميه. ومن هذا المنظور، أدّت الأنفاق وظيفة نفسية لمقاتليها، باعتبارها مساحة محجوبة عن بيئة لا ترحب بهم، أكثر مما كانت جزءاً من عقيدة صمود جماعي.

تقديرات خبراء في هندسة الأنفاق والبنى التحتية تشير إلى أن كلفة حفر أنفاق مدعمة ومجهزة بهذا المستوى، مع أنظمة كهرباء وتهوية وتحسينات أمنية، قد تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار للمتر الواحد، وترتفع أكثر عند احتساب الحماية، التفخيخ، وسنوات العمل. ومع الحديث عن شبكات طويلة ومتفرعة تحت أحياء كاملة، فإن كلفة الحفر وحدها يُرجح أن تكون قد بلغت مئات الملايين من الدولارات، وربما تجاوزت المليار دولار، ما يضع علامات استفهام كبرى حول مصادر التمويل وأولويات إنفاقه.

الأكثر تعقيداً هو ما بعد اكتشاف هذه الأنفاق. فعمليات المسح الهندسي، إزالة المتفجرات، الردم، وتدعيم التربة قد تستغرق بين سنتين وخمس سنوات، وبكلفة تقديرية قد تتراوح بين مئتي وخمسمئة مليون دولار كحد أدنى. وفي بعض الأحياء، قد يصبح هدم المباني القائمة وإعادة بنائها بالكامل خياراً إلزامياً بسبب فقدان الاستقرار الإنشائي، ما يعني أن معالجة آثار الأنفاق قد تقترب من كلفة إعادة بناء المدينة من جديد.

في مدن خرجت من حروب مدمرة، جرى التعامل مع ما تحت الأرض كجزء من ملف السلامة العامة لا كأمر ثانوي. أما في الرقة، فلا خطة معلنة، ولا ميزانية شفافة، ولا جدول زمني واضح، في وقت يُعاد فيه استخدام خطاب الاستقرار بوصفه توصيفاً سياسياً أكثر منه واقعاً عمرانياً أو اجتماعياً.

الرقة اليوم ليست مدينة بلا موارد، بل مدينة بلا مسار معلن. استثمرت أموال هائلة تحت الأرض، بينما تركت المدينة فوقها مدمرة، وسكانها يعيشون فوق فراغ هندسي ونفسي في آن واحد. وما لم تُفتح ملفات التمويل، وتُرسل فرق الخبراء، وتُناقش كلفة الحفر والردم بشفافية، ستبقى الرقة مدينة غنية تُدار كملف أمني مؤجل، لا كمدينة يُفترض أن تعود إلى الحياة.

ريم الناصر - زمان الوصل
(161)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي