نعت أسرة آل لطفي وأهالي مدينة حماة، العميد الركن "محمد تيسير لطفي"، الذي وافته المنية (الأحد) بعد مسيرة طويلة حافلة بالبطولة والعطاء، حمل خلالها أعباء المسؤولية في أكثر المراحل قسوة وتعقيدًا في تاريخ البلاد.
وعرف العميد لطفي بثباته وكرامته، وكان صمام أمان في زمن اختلطت فيه الطاعة بالخوف. اختار مواجهة الظلم، ودفع ثمن مواقفه القيمية بمعاناة طويلة، قضى خلالها ثلاثة وعشرين عامًا في السجون، التي صُممت لكسر الروح أكثر من الأجساد. ورغم كل ذلك، خرج مرفوع الرأس، شاهداً على أن القمع قد يرهق الجسد، لكنه عاجز عن كسر الإرادة أو ترويض القناعات.
مع وصول "حافظ الأسد" للسلطة بدأت عملية ممنهجة لإقصاء القيادات السنية عن المواقع العسكرية الهامة وزجّ القيادات العلوية والطائفية لقيادة الفرق والألوية العسكرية. وكان لطفي من أبرز القادة في محاولة الانقلاب العسكري ضد نظام الأسد عام 1982، والتي أُحبطت بسبب خيانة أحد الزملاء.
وكان السيناريو المخطط له يقضي بأن تتم السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين من خلال قيادة لواء المدرعات والانحدار فيه إلى دمشق العاصمة.
ويتم بعدها الإعلان عن إنهاء مرحلة حافظ الأسد رسمياً لدى السيطرة عبر الإعلام الرسمي، غير أن وشاية من ضابط يُدعى "أحمد عبد النبي" أفشلت الخطة وأدت إلى اعتقال العشرات منهم وزجهم في سجون النظام وإعدام حوالي 30 من خيرة ضباط الجيش السوري آنذاك أما عبد النبي، فتم ترفيعه إلى رتبة لواء وتسليمه الفرقة الخامسة في إزرع بدرعا ثمناً لخيانته بحق زملائه.
وقد أدى هذا الموقف إلى اعتقاله هو وعدد من الضباط غير البعثيين، ضمن حملة ممنهجة استهدفت تصفية العناصر العسكرية المستقلة والدينية داخل الجيش، بقيادة رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، علي دوبا، الذي رتب مكيدة أدت إلى اعتقالهم.
معاناة وأمراض
خلال سجنه الطويل، تعرض العميد لطفي لظروف قاسية أثرت على صحته، إذ أصيب بأمراض متعددة منها نقص التروية، وارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري، والتهاب الأعصاب المزمن. ورغم هذه المعاناة، ظل مثالًا للصمود والكرامة الوطنية.
عرفت العميد لطفي شخصية ملتزمة منذ شبابه، حيث كان يحضر صلاة الجماعة في جامع الزهراء بالمزة مع أولاده، وكان له دور بارز في تنشئة جيل من الطلاب على القيم الدينية والوطنية. وقد أُفرج عنه عام 2004 بعد أكثر من عقدين في السجون.
و كرّم اتحاد الكتاب العرب العميد لطفي في مهرجان حماة عام 2025، تقديرًا لمسيرته الوطنية وإسهاماته في الدفاع عن القيم الحرة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية