أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مخيم الهول من الفوضى إلى الاحتجاز: معاناة آلاف في أكبر مخيم لإرهابيي "داعش" وعائلاتهم

ظل المخيم رمزاً إنسانيا سيئ السمعة

منذ سقوط ما كان يُعرف بـ"دولة الخلافة" لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، ظل ملف السجون والمخيمات في شمال شرق سوريا من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل، ليس لأسباب أمنية فقط، بل لأسباب إنسانية وأخلاقية وسياسية. 

في قلب هذا الملف يقف مخيم الهول، الذي كان وما زال أحد أكبر مواقع الاحتجاز الجماعي لعائلات المقاتلين المزعومين والمشتبه بانتمائهم للتنظيم، وقد انعكست عليه تحولات الأرض في سوريا وسياسات القوى الدولية والإقليمية.

تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ظل المخيم لسنوات مكانا للاحتجاز الجماعي بلا إجراءات قانونية واضحة، يستضيف عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال. الغالبية الساحقة كانت من النساء والأطفال الذين لم يشاركوا في الأعمال القتالية، بل ولد العديد منهم داخل المخيم نفسه. تشير تقديرات حقوقية إلى أن أعداد المحتجزين في مخيم الهول تجاوزت أكثر من 40 ألف شخص من جنسيات مختلفة، بينهم سوريون وعراقيون وأجانب من أكثر من ستين دولة، مع نسبة عالية من الأطفال تحت سن الثانية عشرة.

ظل المخيم رمزاً إنسانيا سيئ السمعة، فقد وثقت تقارير صحفية مثل نيويورك تايمز مشاهد لأطفال يتحركون في مساحات ضيقة، ونساء يرتدين الزي الكامل ويصارعن الجوع وغياب الرعاية الصحية والتعليم، مما جعله أشبه بـ عالم معزول تتكرر فيه قصص الحرمان والأمراض ونقص الخدمات الأساسية.

المنظمات الحقوقية الدولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اعتبرت ما يجري في المخيم بمثابة احتجاز تعسفي وجائر بلا محاكمات، مع تجاهل حقوق الأطفال والنساء، معتبرة الوضع انتهاكاً واضحاً للمعايير الإنسانية الدولية.

مع تصاعد النزاع العسكري والسياسي في المنطقة، خصوصاً مع تقدم الجيش السوري والسيطرة المتدرجة على مناطق كانت قسد تمسك بها لسنوات، بدأت تظهر بوادر تغيير جذري. في مطلع عام 2025، تم التوصل إلى اتفاقات جزئية بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية حول إدارة مخيم الهول، شملت إعادة المواطنين السوريين إلى مناطق نفوذ دمشق وتنسيقا أكبر حول الملف الإنساني والأمني.

بالتوازي مع ذلك، أعادت الولايات المتحدة والدول المعنية النظر في من يدير هذا الملف، وسط ضغوط أوروبية وعراقية لإعادة مواطنيها أو نقلهم إلى أماكن أكثر أماناً. في خطوة لافتة، أعلن التحالف الدولي بقيادة واشنطن في مطلع عام 2026 عن بدء نقل دفعات من معتقلي تنظيم الدولة من الحسكة إلى العراق، بهدف وضعهم في مرافق تحت إشراف مشترك مع بغداد، مع خطة قد تصل إلى نقل نحو 7 آلاف معتقل في النهاية.

هذا القرار اتخذ وسط مخاوف من فراغ أمني بعد انسحاب قسد من مواقع الاحتجاز وتقدم القوات السورية، وهو ما أدى في بعض السجون مثل "الشدادي" إلى فرار مئات المحتجزين قبل أن تعيد وحدات من الجيش السوري اعتقال معظمهم، في تطورات انتهت إلى فرض سيطرة الدولة على أجزاء كبيرة من منظومة الاحتجاز.

يواجه ملف مخيم الهول والمحتجزين داخله تحديات ثلاثية الأبعاد:
أولاً: البعد الإنساني، حيث يعيش آلاف الأطفال والنساء في بيئة شحيحة الخدمات، مع نقص حاد في الماء النظيف والرعاية الطبية والتعليم، ما جعل أوضاعهم تتدهور على مر السنوات، كما رصدت صحف دولية وشهادات ميدانية من داخل المخيم.

ثانياً: البعد القانوني، إذ ظل مئات الرجال من المشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولة محتجزين بلا إجراءات محاكمات عادلة أو لوائح اتهام رسمية، وهو ما تدينه منظمات حقوق الإنسان وتدعو إلى التسوية القانونية المنصفة أو إعادة الأشخاص غير المتهمين إلى بلدانهم.

ثالثاً: البعد الأمني والسياسي، حيث أصبحت إدارة هذا الملف ساحة تنافس بين قوى محلية ودولية، تشمل الولايات المتحدة والتحالف الدولي والحكومة السورية والعراق والدول الأوروبية المعنية بحقوق مواطنيها. هذا التنافس دفع بعض الدول إلى الإسراع في استعادة رعاياها من المخيمات أو المطالبة بمحاكمتهم في دول أخرى، في حين يميل البعض الآخر إلى تحميل قسد مسؤولية ما اعتبروه إهمالاً أو استغلالاً سياسياً  للملف في سياق تحالفاتها الأوسع.

في المحصلة، يعيش مخيم الهول اليوم مأساة إنسانية متكاملة، تتداخل فيها مصائر الأطفال والنساء مع الحسابات السياسية والأمنية الدولية، بينما يتحول الحديث عن المخيم من كونه مسألة محلية تحت سيطرة قسد إلى ملف دولي معقد تجري فيه تحولات جذرية، من سيطرة الجماعة المسلحة إلى تنسيق متزايد مع الحكومة السورية، ومن إدارة لسنوات بلا محاكمات إلى نقل المحتجزين إلى العراق ضمن خطة لإعادة ترتيب عملية الاعتقال والمحاكمة وإعادة الإدماج.

إن ما يحدث في مخيم الهول ليس مجرد أرقام وإحصاءات، بل حياة آلاف الأطفال والنساء الذين يرزحون تحت وطأة الاحتجاز، الفقر، ونقص الخدمات الأساسية منذ سنوات. مأساة هؤلاء ليست بعيدة عن حسابات السياسة والأمن الدولي، فهي تتقاطع مع مصالح الدول والإدارة الذاتية والحكومة السورية، وتكشف هشاشة الأنظمة التي تدير هذا الملف.

كل يوم يمر داخل المخيم هو صفحة جديدة من المعاناة: أطفال محرومون من التعليم، نساء معرضات للأمراض وسوء الرعاية، والعديد من المحتجزين يعيشون بلا أي وضوح قانوني عن مصيرهم. في الوقت نفسه، تتحرك القوى الدولية لتفكيك هذا الملف المعقد، بين نقل المحتجزين، وضمان حقوق الدول لمواطنيها، ومحاولة إعادة بناء الأمن في المنطقة.

مخيم الهول اليوم يمثل مزيجاً قاتماً من الإنسانية والسياسة، مكان تتشابك فيه المعاناة مع الحسابات الدولية، ويكشف للعالم حجم التحديات التي تواجه أي محاولة لإعادة تأهيل الأجيال القادمة، وضمان حقوق الإنسان حتى في أكثر البيئات صعوبة. في نهاية المطاف، قصص هؤلاء الأطفال والنساء ستظل مرآة لما يمكن أن يحدث عندما يتقاطع النزاع المسلح مع الإهمال الدولي، والاحتجاز بلا محاكمات، وتحمل عبرتها لكل من ينظر إلى مستقبل سوريا والمنطقة بعين الإنسانية والمسؤولية.

ريم الناصر - زمان الوصل
(512)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي