أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سوريا الوظيفية والحدث المادوري

من دمشق - الأناضول

في صباح 3 كانون الثاني من العام الجاري، استيقط العالم مصدوماً على نبأ اعتقال الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو) في تمام الساعة 5:21 من فجر نفس اليوم مع زوجته ومن غرفة نومهما، ولهذا الحدث دلالة على المشهد السياسي العالمي الحالي وعلى سوريا أن تدركه للمرحلة القادمة، وتحت هذا الهدف يأتي هذا المقال. 

في مقالي بعنوان (القطبية الدولية وسوريا الوظيفية) والذي تم نشره على جزئين على موقع (سيريانيوز) تحدثت كيف أن العالم منذ القدم تديره أقطاب دولية وغالباً مايكونوا قطبين اثنين، وإن الصراع بين هذين القطبين اقتصادي في الدرجة الأولى وإن تم تغليفه بطابع ايديولوجي أخلاقي أخاذ لتبرير القتل والمجازر التي تنشأ من هكذا صراع، وقد أوردت عدة أمثلة على هذه الأقطاب، كالروم ضد الفرس قديماً، وأقطاب الدول الاستعمارية في عصرنا الحديث كالقطبين بريطانيا ضد فرنسا، وأقطاب دول المحور ضد دول الحلفاء، وتالياً القطبين أمريكا ضد الاتحاد السوفييتي، وحالياً أمريكا  ضد الصين. 

وقد كانت الامبراطورية الإسلامية قطباً عالمياً حضارياً من ناحية القوة العسكرية والعلمية والمدنية ضد القطب الروماني المسيحي الكنسي (نسبة إلى الكنيسة) المتخلف آنذاك، وقد حل هذا القطب الإسلامي محل القطب الفارسي، ويمكن اعتبار الامبراطورية الإسلامية أطول الأقطاب العالمية فترة من حيث أنها امتدت لأكثر من 1000 عام.

في نفس المقال تحدثت كيف أن هذه الأقطاب تعمل على تشكيل دول وظيفية تابعة، وكيف أن الانقلابات والتغيرات الجذرية وأحياناً المدمرة في هذه الدول الوظيفة إنما هو بمثابة انتقال من قطب إلى آخر، وقد تناولت الدولة السورية الوظيفية بالتفصيل وتقلباتها بين هذه الأقطاب منذ نشأتها العام 1920 وحسب تسلسل انقلاباتها ومسيرتها السياسية وصولاً إلى يومنا هذا.

لقد خلصت في الجزء الثاني من المقال لعشر توصيات على سوريا الوظيفية التابعة أن تأخذها بالحسبان من وجهة نظري، أحدها أن الصراع القطبي الحالي هو بين القطبين الاقتصاديين اليوم أمريكا والصين، وإن مايشهده العالم من اضطرابات ماهو إلا محاولة من القطب الأمريكي لمحاصرة الصين اقتصادياً وتشكيل سور اقتصادي أمريكي يلتف حولها ويخنقها كسور الصين العظيم، وهوبذلك يعمل على تجفيف منابع اقتصادها، أما الثاني وهو الهام أن الدول الوظيفية ليست على نفس الدرجة وإن أدنى وأحط درجات الدول الوظيفية هي دول الاستبداد (عن الاستبداد راجع مقالي على موقع زمان الوصل: الاستبداد وقدسية المعارضة). 

إن مشاركة الشعب في القرار هو من يعلي من درجة الدولة الوظيفية، وكلما ازدادت هذه المشاركة كلما ارتقت الدولة الوظيفية أكثر، وقد ضربت مثلاً على ذلك بالدولتين الوظيفيتين  اسرائيل وتركيا ومالهما من مكانة في الشرق الأوسط لدى القطب الأمريكي دون الدول الوظيفية الأخرى، فالمشاركة المجتمعية المبنية على آليات ديمقراطية حقيقية هو من يحسن شروط التفاوض مع القطب الدولي.

بعد الحرب العالمية الثانية، تم تشكيل هيئة الأمم المتحدة والتي قامت بالاعتراف بالحدود الوطنية لكل دولة عضو حدوداً نهائية، وفي ذلك محاولة واتفاق عالمي على  تقليص هيمنة القطبية على الدول الوظيفية واعتبار هذه الدول ذات سيادة ضمن حدودها يكفلها القانون الدولي، وإن أي تغيير في هذه الحدود يحتاج لحرب عالمية ثالثة مازال العالم يحاول تجنبها لهول ماشهده سابقاً في حروبه العالمية،  فالحروب العالمية هي من تعيد تشكيل الأمم بحدود جديدة، لذلك لم تستطع اسرائيل ضم مااحتلته العام1967حتى الآن، ولنفس السبب كان من السهل على المجتمع الدولي الاعتراف بدولة فلسطينية عقب أوسلو في مناطق الضفة الغربية وغزة المحتلتين بعرف الأمم المتحدة.

بعد انهيار القطب السوفيتي في العام 1988 وتفرد القطب الأمريكي، عمل الأخير على التدخل العسكري بنفسه في الدول الوظيفية المارقة، وإن هذا التصرف ليس بغريب على القوى العالمية القطبية فقد دمرت روما سابقاً بنفسها تدمر السورية والبتراء عاصمة الأنباط، وهم حلفاؤهم الوظيفيون في المنطقة، وكذلك قتل الفرس بأنفسهم النعمان بن المنذر حليفهم الوظيفي ضد روما، وكذلك سنجد أمريكا تتدخل بنفسها ودون انتظار إذن الأمم المتحدة في تدمير العراق والذي كان وظيفياً تابعاً لها. واليوم وصلت القطبية الأمريكية لزمن (دونالد ترامب) التاجر وهو أفضل من يتقن لغة المال، فتحولت الدول أو الكيانات الوظيفية لديه إلى بضائع يعرضها في الأسواق للبيع بعد احتكارها لفترة وغلاء ثمنها. 

لقد أحضر هذا الرئيس التاجر رئيس الدولة الوظيفية أوكرانيا (زيلنسكي) التابعة لقطبيته، أحضره إلى البيت الأبيض لإذلاله وأمام الكاميرات، وليكون عبرة للعالم أن غطرسة القوة القطبية الأمريكية في عهده لاحدود لها، وفي نفس السياق أرسل هذا التاجر فريق الكومندوس لديه إلى فنزويلاً واعتقلوا (مادورو) في ثياب نومه وأمام أنظار العالم دون أن يسمحوا له بارتداء بدلة وربطة عنقه، واليوم يعمل على تقويض نظام (الملالي الخميني) والذي حافظت عليه أمريكا بهدف صناعة الفوضى وإشعال السعار العصبوي الشيعي السني (راجع مقالي القطبية الدولية وسوريا الوظيفية)، بل زاد على ذلك أن التاجر ترامب يريد قسراً ضم غرينلاند التي تتبع للاتحاد الأوروبي بحكم أنها جزء من الدانمارك الأوروبية وإن كانت تحت حكم ذاتي. إنه يرغب باحتكار بضاعة العالم النفطية والمعدنية التي يحتاجها التاجر الآخر الصيني فيضطر الأخير للذهاب للتفاوض بعد إعلان إفلاسه. 

بقي القول أن جميع الدول والكيانات الوظيفية القابلة للعرض كبضاعة في سوق نخاسة الأقطاب الدولية هي دول مستبدة فقدت الاتصال مع شعوبها بعد أن جعلتهم يدمنون الوهم (راجع مقالي إدمان الوهم على موقع كلنا شركاء في الوطن). 

لقد باعت ايران الخمينية شعبها وهم البرنامج النووي ووهم المقاومة وتحرير القدس، بعد أن سلبتهم مدخراتهم في الإنفاق على هذا الوهم وهي الدولة الغارقة على بحر من النفط، وكذلك باع مادورو الفاسد ومن قبله هوغو تشافيز الأفسد منه الشعب القنزويلي وهم الايديولوجية الاشتراكية، فتحول الشعب الفنزويلي إلى متسول متصدر لمؤشر البؤس العالمي وهو الغارق على بحر من النفط، وقد باع صدام حسين وهم الايديولوجية القومية لشعب العراق فانتهى إلى بلد مدمر فاسد بلاتنمية وهو الغارق على بحر من النفط، وكذلك فعل القذافي بالشعب الليبي، والأسدين بالشعب السوري وبمباركة القطب الأمريكي وتحت أنظاره، فالثروات تضيع مع أوهام الاستبداد، ولايبقى للشعوب القابعة تحت الاستبداد والأوهام الايديولوجية الأممية إلا حطام المنازل، حطام الذاكرة التي تحتفظ بشوارع ومدن قديمة زالت مع قاطنيها.

إن هذه رسالة للسوريين أن يستيقظوا من وهم عصبياتهم ووهم ايديولوجياتهم الأممية (راجع مقالي بعنوان الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية على موقع زمان الوصل) ، وأن يبدؤوا بالالتفات حول وطنيتهم ويدافعوا عنها مااستطاعوا، لأن هذه العصبيات وهذه الايديولوجيات وهمية مؤقتة تزول بتغير حسابات القطب، لقد أنهى القطب الأمريكي الأسد في أيام وكذلك فعل مع قسد، وكلاهما حلفاؤه القدامى، واليوم يبني شبكة حلفاء وظيفيين جدد كان يناصبهم أشد العداء في خطاباته. 

لقد استيقظ القطب الأمريكي بتاجره ترامب على سوريا وظيفية مفيدة له اقتصادياً، وهي المدمرة بكلفة 400 مليار دولار، وهي التي يحتوي متوسطها على غاز يقدر بـ 240 تريليون قدم مكعب، كل ذلك ينتظر شركات القطب الأمريكي بقيادة تاجره ترامب لأخذ أموال إعادة الإعمار بعد إرغام دول أخرى على دفعها والاستثمار في الغاز. 

وكما أسلفت في مقالي السابق (القطبية الدولية وسوريا الوظيفية) أن الاستبداد هو صناعة الدول القطبية لضمان الابتزاز الداخلي والخارجي لشعوب الدول الوظيفية، وإن القطب الدولي لايهتم للوضع الداخلي لهذه الشعوب طالما أن الوظيفة يتم إنجازها على أتم وجه.

إن الاستبداد يسقط لامحالة وإن كان مقدساً ملتحفاً بالايديولوجية الدينية، فقد سقط استبداد الكنيسة المقدسة في أوروبا وبدأ عصر التنوير، وليس السبب أن المقدس لايأتي بالتنوير، بل لأن الاستبداد لايأتي إلا بالجهل والابتعاد عن التنمية، فلا تستبدوا بمقدسكم حتى لايسقط هذا المقدس، ولتعلموا أن أصحاب المقدس الايديولوجي المستبد هم خير تجار المال الأسود، فقد حمل حزب الله بندقية المقاومة والقرآن بيد وحمل تجارة الكبتاغون باليد الأخرى إلى العالم. ومع الاستبداد تسقط دوله كما زلزال مدمر حل بها.

إن الإيمان بالاختلاف والتشاركية والمساواة تحت سقف القانون لجميع من ضمته حدود الوطن وضمن آليات ديمقراطية حقيقية تضمن المشاركة المجتمعية في القرار هي التي تعلي الدول الوظيفية في أسواق القطبيات، ودون ذلك فإن سوريا تواجهها حفر تضامن كثيرة وستدخل في غيبوبة طويلة الأمد في غرفة العناية المشددة بحيث لانستطيع إعادتها إلى الحياة، عندها سنقف على أطلالها ونحن نبكي ونقول (أضاعوني وأي فتى أضاعوا   ليوم كريبة وسداد ثغر).

د. مصطفى حسين بطيخة - زمان الوصل
(120)    هل أعجبتك المقالة (12)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي