أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عودة حقول دير الزور: هل يمكن زيادة الإنتاج 40 ضعفاً خلال 3 أشهر؟

أرشيف

​في الأيام الماضية، أعلنت القوات الحكومية السورية استعادة السيطرة على أهم حقول النفط والغاز في ريف دير الزور، وعلى رأسها حقل العمر العملاق ومعمل كونيكو للغاز. 

وقد رافق هذا التحول تحليلات كثيرة ترى أن الطريق لاستعادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل الحرب طويل وشاق، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة وإصلاحات معقدة. 

ولكن، وبعد 37 عاماً من العمل الميداني في قطاع النفط والغاز، أقول لكم: هناك طريق آخر، غير تقليدي، يمكن أن يحقق قفزة إنتاجية هائلة خلال أسابيع، لا سنوات.

الواقع المؤلم: أرقام تشير إلى دمار هائل
​لا جدال في أن البنية التحتية تعرضت لتخريب وإهمال كبيرين. الأرقام التي أوردتها التقارير تُظهر الهوة السحيقة بين الإمكانية السابقة والواقع الحالي:
- ​حقل العمر: كان ينتج 80 ألف برميل يومياً قبل 2011، وينتج الآن حوالي 20 ألف برميل فقط.
- ​حقل التنك: إنتاجه تراجع من 40 ألف برميل إلى نحو 1,000 برميل يومياً.
- ​معمل كونيكو (الطابية): المنشأة المتكاملة التي كانت تنتج 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، متوقفة تماماً عن العمل.

​هذا الواقع دفع الكثيرين إلى الاستنتاج بأن عودة الإنتاج تحتاج إلى سنوات. لكن هذا الاستنتاج مبني على النهج التقليدي لإعادة التأهيل.

الحل غير التقليدي: الإنتاج المبكر والتقنيات الميدانية المتطورة
​النظرة التقليدية تتجه إلى إصلاح خطوط الأنابيب الطويلة والمحطات المركزية الكبيرة، وهي عملية مكلفة وبطيئة. الحل البديل الذي أثبت نجاحه في حالات الطوارئ والحقول النائية هو نشر مرافق الإنتاج المبكر (Early Production Facilities) مباشرة على رؤوس الآبار.

كيف يعمل هذا الحل؟
​لحقول النفط: بدلاً من انتظار إصلاح شبكة الأنابيب والمعالجة المركزية، يمكن نشر وحدات إنتاج مدمجة ومتنقلة عند كل بئر أو مجموعة آبار. 

هذه الوحدات تقوم بالفصل الأولي للنفط عن الماء والغاز، وتخزين النفط المعالج مؤقتاً في صهاريج لنقله مباشرة. هذه التقنية تتيح استخراج النفط من آبار كانت تعمل بنسبة 10-20% من طاقتها، ورفعها إلى 80-90% خلال أيام.

​لحقول الغاز المصاحب والمحروق (التهوير): هنا تكمن الفرصة الأكبر. كميات هائلة من الغاز تُحرق يومياً في حقول دير الزور بسبب عدم وجود بنية تحتية لجمعها ومعالجتها. الحل هو نشر وحدات صغيرة لتحويل الغاز إلى سائل (Mini-GTL) مباشرة عند مواقع التهوير. 

هذه الوحدات المتطورة تحول الغاز المحروق (الميثان) إلى وقود ديزل جاهز للاستخدام المحلي، مما يحقق فائدتين: وقف الهدر البيئي الهائل، وتوليد وقود بقيمة اقتصادية عالية.

حقل كونيكو: التعقيد والبديل العملي
​معمل كونيكو ليس حقلاً، بل هو منشأة معالجة غاز مركزية متطورة تجمع الغاز من حقول عدة في المنطقة. إعادة تأهيله بالكامل تتطلب وقتاً طويلاً واستثماراً ضخماً. لذلك، البديل العملي والسريع هو تطبيق نفس فلسفة الوحدات الميدانية الصغيرة. بدلاً من انتظار إصلاح المعمل المركزي، يمكن نشر وحدات معالجة غاز صغيرة (Skid-mounted Gas Processing Units) عند حقول الغاز أو آبار النفط المصاحبة للغاز. 

هذه الوحدات تقوم بمعالجة أولية للغاز وتسييله، مما يوفر وقوداً لمحطات الكهرباء القريبة مثل محطة "جندر" في حمص، والتي كانت تعتمد على كونيكو سابقاً.

​الجدول الزمني والتأثير المتوقع
​بناءً على الخبرة الميدانية، فإن تنفيذ هذه الخطة لا يحتاج إلى سنوات:
​المرحلة الأولى (شهر واحد): نشر وحدات الإنتاج المبكر على آبار حقل العمر والتنك ذات الإنتاجية العالية. الهدف: رفع إنتاج النفط من عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من البراميل يومياً.

​المرحلة الثانية (2-3 أشهر): نشر وحدات Mini-GTL عند مواقع حرق الغاز في الحقول. الهدف: تحويل الآلاف من الأمتار المكعبة من الغاز المحروق إلى ديزل، وتغطية جزء كبير من الاحتياج المحلي للوقود.

​النتيجة المتوقعة: يمكن زيادة الإنتاج الكلي (نفط ووقود غازي) من حقول دير الزور بما يتراوح بين 20 إلى 40 ضعف الإنتاج الحالي خلال فترة لا تتجاوز 3 أشهر كحد أقصى.

​التحديات باقية.. ولكن العقلية هي التي تتغير
​لا ننكر وجود تحديات أمنية واستثمارية وعقوبات تعيق التقدم. ولكن النهج التقليدي البطيء هو جزء من المشكلة. الحلول التقنية السريعة والمبتكرة يمكن أن تخلق واقعاً اقتصادياً جديداً يُحدث زخماً إيجابياً. عندما تظهر إيرادات سريعة وواضحة من الإنتاج، سيتغير حساب الربح والخسارة للمستثمرين والداعمين.

من "ورقة صراع" إلى "محرك إنعاش سريع"
​عودة حقول دير الزور إلى السيطرة الحكومية هي خطوة استراتيجية كبرى. لكن قيمتها ستظل رمزية ما لم تُترجم إلى طاقة متدفقة واقتصاد منتعش. الأدوات التقنية لتحقيق هذه القفزة موجودة ومجربة. الأمر لا يحتاج إلى سنوات من الانتظار، بل إلى إرادة تقنية وقرار جريء بتبني منهجية "الإنتاج المبكر" و"التقنية الميدانية الموزعة". عندها فقط، ستتحول هذه الثروة من ورقة في صراع مرير إلى محرك حقيقي للإنعاش، يُشغل المصابيح ويدير المعامل، في أقصر وقت ممكن.

​نجم صقر بن عبد الله - زمان الوصل
(328)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي