مع تصاعد التوترات في الجزيرة السورية، برزت إلى الواجهة دعوات نُقلت إعلامياً عن قيادات في البنية العسكرية المسيطرة على المنطقة، من بينها فوزة اليوسف ومظلوم عبدي، دعت الأكراد صراحة إلى "حمل السلاح والانضمام إلى المقاومة" . هذه الدعوات لم تُوجَّه إلى كيان جامع أو مجتمع متعدّد، ولم تخاطب ما يُسمّى "قوات سوريا الديمقراطية" بوصفها إطاراً جامعاً، بل جاءت مباشرة إلى المجتمع الكردي باعتباره الخزان الوحيد المتبقي للتعبئة. هذا التفصيل ليس لغوياً، بل كاشفاً لطبيعة اللحظة: حين يُستدعى السلاح، يُستدعى الكرد وحدهم.
هذا الإعلان، المغلّف بخطاب تعبوي يعيد إنتاج مفردات الخطر الوجودي، لا يمكن قراءته كاستجابة طارئة، بل كحلقة إضافية في مسار طويل اعتاد اللجوء إلى العسكرة كلما واجه انسداداً سياسياً أو تراجعا في القدرة على فرض الوقائع. فحين يتآكل الغطاء السياسي، يُعاد تشغيل السلاح بوصفه آخر أدوات السيطرة.
منذ تفكك الدولة العثمانية وبروز الكيانات القومية في الشرق الأوسط، وجد الأكراد أنفسهم خارج معادلة الدولة المستقلة، موزعين بين أربع دول، في واقع تاريخي قاسٍ أنتج شعوراً دائماً بالغبن. هذا الواقع أفرز نزعات مسلحة مبكرة، بدأت بثورات محلية ذات طابع عشائري، ثم تطورت مع منتصف القرن العشرين إلى توظيف السلاح كأداة سياسية. غير أن هذه التجارب، رغم كثافتها، لم تنجح في بناء مشروع مستقر، وبقيت محكومة بمنطق الصدام الدائم أكثر من قدرتها على إنتاج تسويات طويلة الأمد.
في سوريا، ظل النشاط الكردي المسلح محدوداً لعقود، لا لقناعة نهائية بالدولة بقدر ما كان نتيجة غياب بنية اجتماعية راغبة في العسكرة المستدامة. التحوّل الحقيقي جاء لاحقاً، لا من الداخل السوري، بل مع انتقال نموذج جاهز من خارج الحدود.
المنعطف الأخطر تمثّل في صعود حزب العمال الكردستاني (PKK) وتأثيره العابر للجغرافيا، حيث لم يُقدَّم السلاح كوسيلة ظرفية، بل كهوية سياسية مكتملة. أدخل الحزب مفهوم التنظيم العسكري العقائدي المغلق، وربط السلاح بمشروع أيديولوجي شامل يتجاوز الخصوصيات المحلية، وحوّل "المقاومة" إلى حالة دائمة لا تنتهي بانتهاء الأسباب. ومع تسرّب هذا النموذج إلى الساحة الكردية السورية، لم ينتج تجربة تحرر محلية، بل عملية استنساخ حرفية لمنظومة قرار وعقيدة وسلوك.
بعد عام 2011، تسارعت هذه العملية. تشكّلت وحدات مسلحة تطورت سريعاً إلى سلطة أمر واقع، لم تعد ترى في السلاح وسيلة حماية، بل أداة حكم وإدارة. أُنشئت مؤسسات موازية، لا تستمد شرعيتها من تفويض وطني، بل من فائض القوة. وتكرّس خطاب "الحماية الوجودية" كذريعة جاهزة لإدامة العسكرة وإقصاء أي نقاش سياسي حقيقي.
ومع الوقت، تحوّل ملف "مكافحة الإرهاب" وسجون تنظيم "داعش" من عبء أمني إلى ورقة سياسية، استُخدمت لتثبيت الأمر الواقع وفرض شروط تفاوضية. هذا السلوك لم يعد يُقرأ كضرورة أمنية، بل كأداة ابتزاز، وهو ما يفسر التحذيرات الرسمية المتكررة من توظيف هذا الملف أو التلويح بالفوضى كورقة ضغط.
في هذا السياق، تأتي دعوات النفير الأخيرة بوصفها ذروة انسداد سياسي كامل. لم يعد الخطاب يتحدث عن إدارة منطقة أو حماية سكان، بل عن تعبئة كردية عامة، في اعتراف ضمني بأن كل ما رُوج له سابقاً من صيغ جامعة أو تسميات عريضة قد سقط. لم يعد الاسم "شمال وشرق سوريا" حاضراً إلا في الأدبيات القديمة، وعادت الجغرافيا إلى مسمّاها الواقعي والتاريخي: الجزيرة السورية، بوصفها ساحة نفوذ تُدار بعقلية فصيل، لا كفضاء متعدّد كما أُعلن سابقاً .
والأدهى من ذلك أن توصيف هذه القوة اليوم لا يكتمل إلا بالعودة إلى الاسم الذي استخدمته هي نفسها في خطابها الداخلي والبدايات الأولى: تشكيل عسكري ذو مرجعية أيديولوجية محددة، يستنسخ نموذج حزب العمال الكردستاني أكثر مما يعكس واقعا سورياً متنوعاً. سقوط التسمية السياسية المصطنعة، وحصر النداء بالمجتمع الكردي، يكشفان جوهر المشروع كما هو: سلطة أمر واقع فقدت ادعاء التمثيل، وباتت تعتمد على التعبئة والسلاح وحدهما لإدامة حضورها.
إن تاريخ التسلّح الكردي في سوريا لم يعد مجرد سردية اضطهاد ورد فعل، بل قصة تحوّل السلاح من أداة اضطرار إلى نهج دائم يبتلع السياسة ويختزل المجتمع في البندقية. ومع كل دعوة جديدة لحمل السلاح، لا تُحمى الحقوق بقدر ما تُرتهن، ولا يُصان الوجود بقدر ما يُدفع نحو مواجهة مفتوحة. السؤال لم يعد عن مشروعية السلاح، بل عن الثمن الذي يُطلب من المجتمع الكردي دفعه كل مرة يُستخدم فيها السلاح بديلاً عن السياسة.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية