تعد شركة شل (Shell) واحدة من أبرز الشركات النفطية العالمية التي عملت في سوريا، حيث بدأت استثماراتها فيها منذ العام 1980.
وقد تركت خلال عقود من عملها إرثاً تقنياً وتنموياً مهماً، خاصة في حقول دير الزور النفطية. فيما يلي نظرة سريعة وعامة على طبيعة عملها، إنجازاتها، والأسباب الكامنة وراء قرارها الانسحاب.
طبيعة الاستثمار والإطار القانوني
تعمل شل في سوريا عبر إطار عقدي للاستثمار في مجال الطاقة، ولديها عدة عقود وليس عقداً واحداً كما يظن البعض. حيث يتم توقيع سلسلة من العقود المنفصلة، لكل منها منطقة عمل محددة (تُسمى "بلوك" أو Block). وجميع هذه العقود كانت تُدار عملياً عبر كيان مشترك أسسته الشركة الأجنبية مع الجانب السوري يُعرف بشركة "الفرات".
- دور شركة الفرات: هي شركة إدارة مشتركة، تضم كوادر فنية من شركة شل الأم وموظفين حكوميين سوريين. كان هدفها الأساسي تيسير التنفيذ الفني والإداري للعمليات، مما يسهل التعاون بين الطرفين.
- آلية العمل المتبعة:
تتبع شل – كغيرها من الشركات الأجنبية في سوريا – آلية عمل قياسية:
1. تخصص الحكومة قطعة أرض (بلوك) للشركة.
2. تلتزم الشركة بتمويل عمليات الاستكشاف الشاملة (دراسات، مسوح مغناطيسية وسيزمية ثنائية وثلاثية الأبعاد) وتتحمل نفقات حفر عدد محدد من آبار الاستكشاف خلال فترة زمنية محددة.
3. يوفر الجانب الحكومي الدعم اللوجستي والدراسات الجيولوجية المتاحة.
المرحلة التالية تبدأ في حال اكتشاف مخزون نفطي واعد، حيث تتولى الشركة الأجنبية تمويل عمليات التوسع وحفر الآبار وتجهيزها والبدء بالإنتاج.
بعد بدء الإنتاج، يتم تقاسم الإنتاج بين الطرفين بنسب محددة. تحصل الحكومة على حصتها من الإنتاج منذ اليوم الأول، بينما تُخصص نسبة أخرى من الإنتاج للشركة لاسترداد التكاليف الاستثمارية الكبيرة التي قدمتها. وتمتاز هذه الآلية (مشاركة الإنتاج) بأن استرداد التكاليف والارباح للشركة مرتبط حصراً بوجود الإنتاج وبحجمه، دون إطار زمني محدد مسبقاً، مما يشكل حافزاً للطرفين لزيادة الإنتاجية.
الإنجازات والتأثير
برزت شركة شل كلاعب رئيسي في تطوير الحقول النفطية السورية، وخاصة في منطقة دير الزور، حيث يعود لها الفضل في إنشاء وتطوير أهم حقول المنطقة. ومن أبرز إنجازاتها:
- رفع إنتاج حقل "العمر" إلى مستوى قياسي بلغ 83 ألف برميل يومياً.
- تدريب وتأهيل جيل كبير من الكوادر الفنية السورية في قطاع النفط والغاز، مما ترك أثراً إيجابياً على الخبرات المحلية.
- تميزت بأداء احترافي ورؤية تقنية متطورة، مما أكسبها تقديراً كبيراً في القطاع.
أسباب الانسحاب
اتخذت شركة شل قرار الانسحاب من سوريا في العام 2012، حيث أعلنت حالة الطوارئ وبدأت عملية الخروج الفعلية. يعود هذا القرار لعدة أسباب مترابطة، كان الحافز المباشر لها فرض عقوبات اقتصادية وشاملة من قبل الاتحاد الأوروبي على سوريا، مما جعل استمرار العمليات التجارية معقداً بل ومستحيلاً من الناحية القانونية للشركة متعددة الجنسيات.
بعد تغير الوضع السياسي والأمني في سوريا، عام 2025، ورغم رفع بعض العقوبات لاحقاً، تم إبلاغ الجانب السوري بنية الانسحاب النهائي، ودخل الطرفان في مفاوضات لتسوية الالتزامات المالية، وذلك بسبب وجود مستحقات وديون مترتبة للشركة.
وللوقوف على أسباب الانسحاب بشكل أوسع، هناك عدة عوامل هيكلية وراء اتخاذ القرار:
1. نضوب الاحتياطيات: الحقول التي عملت فيها الشركة لفترة طويلة (مثل تلك في دير الزور) هي حقول في مرحلة النضوج أو "الكهولة"، حيث تراجع مخزونها النفطي بشكل كبير بعد سنوات من الاستخراج المكثف، وخاصة مع عمليات الاستخراج غير الفنية التي تمت لاحقاً، مما قلل من الجاذبية الاقتصادية للاستمرار على المدى الطويل.
2. التكاليف الباهظة لإعادة التأهيل: عودة شركة شل للعمل في حقولها السابقة كانت تتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل الآبار والمعدات القديمة، وإصلاح أو استبدال شبكات الربط ومحطات الفصل والضخ. وتكمن الصعوبة في أن بعض هذه المعدات أصبحت قديمة وقد لا تكون قطع الغيار الخاصة بها متوفرة، مما يجعل عملية الإصلاح معقدة ومكلفة للغاية.
3. الفرص الجديدة: في ظل هذه المعطيات، رأت شركة شل أن توجيه استثماراتها ورأس مالها البشري نحو فرص جديدة في مناطق أخرى من العالم يكون ذا جدوى اقتصادية أعلى وأقل مخاطرة.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية