تضع الأجزاء المسرّبة من مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة شمس النقاط على الحروف في ملف طال الالتفاف عليه: العلاقة بين الدولة السورية وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد). فبعيداً عن اللغة الرمادية، يقدّم الشرع موقفاً سياسياً صداميا يرفض فيه بقاء أي كيان مسلّح خارج منطق الدولة، مهما حاول الاحتماء بشعارات المكوّنات أو المظلومية.
ينطلق الشرع من حقيقة مركزية مفادها أن تحرير سوريا لم يكن مجرّد تغيير موازين قوى، بل لحظة فاصلة أنهت مرحلة طويلة من المظالم التي صنعها النظام البائد، وكرّس عبرها التفرقة بين السوريين. وفي هذا السياق، يؤكد أن حق المواطنة المتساوية بات مكفولًا بالقانون لكل المكوّنات، وفي مقدمتها المكوّن الكردي الذي دفع ثمّنا باهظاً لسياسات الإقصاء السابقة.
لكن الشرع لا يسمح، في خطابه، بخلط الأوراق. فالأكراد – كما يؤكد – مكوّن وطني أصيل مندمج في النسيج السوري، بينما تمثّل قسد حالة مغايرة تماماً : تنظيم مسلّح عطّل الحياة المدنية والاقتصادية في حلب، خرق اتفاق نيسان، وذهب أبعد من ذلك عندما هاجم القوات المحرِّرة وحاول عرقلة معركة التحرير قبل أن يتمدّد إلى مناطق استراتيجية داخل المدينة.
وتبلغ المواجهة ذروتها عندما يصف الشرع قسد بأنها تنظيم «متعدد الرؤوس»، بلا قرار وطني مستقل، ومرتهن عسكرياً لتنظيم PKK. هذا الارتباط، بحسب خطابه، لا يشكّل فقط تهديدا للسيادة السورية، بل يسيء مباشرة إلى الأكراد أنفسهم، عبر حصر مستقبلهم في مشروع عسكري عابر للحدود، يبدّد فرص التنمية والاستقرار ويستثمر في الصراع بدل الحل.
وفي طرحه لقضية الحقوق الكردية، يقلب الشرع المعادلة السائدة: فالتحرير، بنظره، هو أول رد حقيقي على المظالم التي تعرّض لها أكراد سوريا، لأنه أسقط النظام الذي صادر حقوقهم لعقود. ومن هنا، تصبح هذه الحقوق مسألة دستورية غير قابلة للمساومة، لا امتيازا تمنحه مليشيا، ولا ورقة ضغط تُنتزع بالسلاح.
وتحمل روايته لما دار في أول لقاء جمعه بمظلوم عبدي بعد التحرير رسالة سياسية حاسمة، حين يؤكد أن الحقوق الكردية لا تحتاج إلى قطرة دم واحدة. إنها عبارة تختصر جوهر الخطاب: الدولة مستعدة لضمان الحقوق كاملة، لكنها ترفض دفع ثمن ذلك عبر شرعنة السلاح أو القبول بكيانات موازية.
في الخلاصة، لا يقدّم الرئيس أحمد الشرع طرحًا توفيقيا مع تنظيم قسد، بل يعلن مواجهة سياسية صريحة معه. المعادلة التي يطرحها واضحة: سوريا تتسع لكل أبنائها، لكنها لا تُبنى بوجود مليشيا فوق القانون. وبين فتح أبواب الدولة أمام الأكراد، وإغلاقها أمام التنظيمات المرتبطة بأجندات خارجية، يرسم الشرع خطًا فاصلًا يعتبره شرطًا لا غنى عنه لاستعادة السيادة وبناء الاستقرار.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية