أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"الجدار الرابع".. حين يواجه الفن أهوال الحرب في بيروت 1982

يُقدّم لوران لافيت أداءً مذهلاً في هذا الدور، حيث يُجسّد شخصية ممثل يُجبر على خوض غمار المعارك في لبنان رغماً عنه، عملٌ آسرٌ بقدر ما هو معقد.

‎ملخص: 
‎لبنان 1982. وفاءً بوعد قطعه لصديق قديم، يسافر جورج إلى بيروت لمشروعٍ طموحٍ بقدر ما هو محفوفٌ بالمخاطر: تقديم مسرحية أنتيغون، سعيًا وراء لحظة سلام وسط صراعٍ دمويّ. سيؤدي الأدوار ممثلون من مختلف الانتماءات السياسية والدينية. 

يجد جورج نفسه تائهًا في مدينةٍ وصراعٍ لا يفهمه، فيسترشد بإرشاد مروان. لكن سرعان ما يُعيد تجدد القتال كل شيء إلى نقطة الصفر، ويجد جورج، الذي يقع في غرام إيمان، نفسه مضطرًا لمواجهة واقع الحرب.

‎مراجعة: 
‎يمتلك جورج نظرة قاسية، أنهكتها سنة من الحرب في قلب لبنان، إلى أن يدرك أن سائقه قد تعرض للتو لقصف من قبل سوريين. جورج ممثل باريسي، اعتاد على دفء عالم الفن وحمايته. لم يكن ليدفعه شيء إلى المسرح اللبناني، لولا أن المخرج الذي جمع ممثلين من جميع الطوائف الدينية المتنازعة يحتضر ولا يستطيع إتمام مهمته، ذات البعدين السياسي والفني، التي كان ينوي القيام بها. 

وهكذا يجد جورج نفسه في قلب بيروت، حيث يخوض المسلمون والمسيحيون حربًا لا تنتهي، على حساب قيم السلام التي تقوم عليها هاتان التياران الدينيان. يكمن التحدي الذي يواجهه، إلى جانب التحضير لمسرحية أنويه "أندروماتشي"، في التوفيق بين هاتين القوتين المتعارضتين ضمن هذه المسرحية الرمزية للغاية، والتي تدور أحداثها على خلفية حرب الشرق الأوسط.

فيلم "الجدار الرابع" مقتبس من رواية سورج شالاندون، الحائزة على جائزة غونكور لليسين عام 2013. يتميز الفيلم بسردٍ آسرٍ وجذاب، يمزج بين التعقيد الثقافي في لبنان وقصةٍ عن الصداقة والحب والمشاركة السياسية من خلال الفن. إن تجسيد شخصيات في بلدٍ تُحاصر فيه الأديان، مهما كان شكلها، في براثن التطرف ليس بالأمر الهين. 

يجب على البطل طمأنة الممثلين والشخصيات الدينية والقادة العسكريين بأن المسرحية أو طريقة عرضها لن تُؤجّج الكراهية المحلية. وهكذا، تروي القصة نضال الممثل لتوحيد فريق العمل في هذا المشروع المشترك، والذين ينتمون جميعًا إلى مجتمعات دينية ممزقة بصراعٍ مريرٍ ودموي.

فيلم "الجدار الرابع" هو في المقام الأول فيلم حربي متجذر في الصراع الدائر بين المسلمين واليهود والمسيحيين. ولا شك أن خلفية تاريخية معينة ضرورية لفهم الديناميكيات الاجتماعية المعقدة التي تسود لبنان بين مختلف الطوائف. فكل جماعة متجذرة في فضاء فكري وأخلاقي يرفض أي مساومة مع الآخرين. ويتحول مشروع جورج المسرحي، ولو مؤقتاً، إلى مثال فريد، وإن كان غربياً في جوهره، على التقاء الأضداد.

يُجسّد لوران لافيت شخصيته بأصالةٍ تُثير القلق بقدر ما تُثير الدهشة. يتنقل الممثل عبر مناظر طبيعية مُغبرة مزقتها الحرب، مُختبرًا تدريجيًا حربًا كان من الممكن أن تبقى بمعزلٍ عن حياته. على مدار ساعتين تقريبًا، نشهد التحول الأيديولوجي والجسدي لهذا الرجل الذي يجد نفسه مُجبرًا، خارج نطاق المشروع الفني، على اختيار جانب. نُعيد اكتشاف الأداء التمثيلي القوي لعضو الكوميدي فرانسيز السابق، الذي يُضفي على دوره كثافةً دراميةً استثنائية. في الواقع، نتعرف معه على خبايا حربٍ طائفية لا تُظهر أي بوادر انحسار، حيث تتعمق الخلافات بين الشعبين مع كل قنبلة تُشوّه معالم لبنان.

فيلم "الجدار الرابع" مكتوبٌ كفيلم إثارة سياسية، يتتبع التحول النفسي لفنانٍ يُدفع رغماً عنه إلى ساحة المعركة. تتكشف الأحداث بأثر رجعي، مما يسمح للمشاهد بفهم المشهد الافتتاحي المثير. يقدم السرد القوي، إلى جانب موهبة الممثلين، منظوراً آسراً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا في عبثية مُقلقة. إخراج ديفيد أوهيلوفن متقنٌ وبارع، مع إعادة تمثيلٍ مذهلة لمشاهد الحرب في بيروت. كما أنه فرصةٌ لإعادة اكتشاف كامل قدرات الممثل العظيم لوران لافيت التمثيلية.

أحمد صلال - زمان الوصل
(9)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي