في الوقت الذي تروّج فيه ميليشيا قسد لنفسها، عبر منصاتها الإعلامية وأنصارها، على أنها نموذج لـ "تحرير المرأة" و "الدفاع عن حقوقها" في شمال وشرق سوريا، تكشف شهادات صحفية ميدانية دولية واقعاً مغايراً تماماً، يعرّي هذا الخطاب ويضعه أمام تناقض صارخ لا يمكن تجاهله.
الصحفية الأمريكية شيللي كيتلسون، المعروفة بتغطيتها الطويلة والمعمقة للملف السوري وقضايا الجزيرة السورية، نشرت شهادة شخصية صادمة، أكدت فيها أنها خلال سنوات عملها الصحفي تلقت أكبر قدر من التهديدات والإهانات ذات الطابع الجنسي من مؤيدي ميليشيا "قسد" وذراعها العسكري وحدات حماية الشعب (YPG)، مقارنة بأي جهة أخرى تعاملت معها أو غطّت نشاطها. والأخطر في هذه الشهادة أنها لا تتعلق بخلاف شخصي أو حادثة عابرة، بل بسلوك متكرر وممنهج، نابع فقط من كونها صحفية تؤدي عملها المهني وتنقل الوقائع كما هي.
وتكتسب هذه الشهادة وزنها من هوية صاحبتها؛ فهي ليست ناشطة محلية ولا طرفاً سياسياً، بل صحفية دولية عملت في الميدان لسنوات وتعرضت لمختلف أنواع الضغوط من أطراف متعددة، ومع ذلك اختارت أن تشير بوضوح إلى الجهة التي واجهت منها أشد أشكال التحرش والتهديد الجنسي.
كما أرفقت كيتلسون إشعاراً رسمياً من منصة "إكس" يؤكد تعليق حساب أحد المهدّدين بعد ثبوت مخالفته لقواعد المنصة المتعلقة بالعنف والتهديد، ما يضفي على شهادتها بعداً توثيقياً يصعب إنكاره أو التقليل من شأنه.
والمفارقة الصادمة أن هذه التهديدات صدرت من بيئة تدّعي صباح مساء الدفاع عن المرأة وتمكينها، وتستخدم صورتها أداةً دعائية لتلميع مشروع سياسي وعسكري. لكن حين تكون المرأة صحفية ناقدة، أو شاهدة على الانتهاكات، أو ناقلة لرواية لا تروق لهذا المشروع، تتحول فجأة إلى هدف للتحقير الجنسي والتهديد الأخلاقي، في ممارسة لا تختلف في جوهرها عن أكثر أنماط العنف الذكوري بدائية.
ما تكشفه شهادة كيتلسون ليس سلوكاً فردياً لأنصار على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، بل يعكس ثقافة تحريض وعداء متجذرة في الخطاب العام لمؤيدي قسد، حيث يُستخدم التحرش الجنسي سلاحاً لإسكات النساء، وردع الصحفيات، وتشويه أي صوت لا ينخرط في السردية الرسمية. وهي ثقافة تتناقض جذرياً مع أي ادعاء بحماية المرأة أو الدفاع عن حقوقها، وتضع هذه الادعاءات في خانة الاستغلال السياسي لا أكثر.
إن أخطر ما في هذا النوع من الانتهاكات أنه يجري في الفضاء الرقمي، حيث يسهل التهديد والتشهير دون محاسبة حقيقية، وحيث تتحول الصحفيات إلى أهداف مفتوحة لحملات منظمة من الإساءة، فقط لأنهن يقمن بعملهن. ورغم أهمية خطوة منصة "إكس" في تعليق أحد الحسابات المخالفة، فإن ذلك لا يعالج أصل المشكلة، ولا يبرئ البيئة التي تنتج هذا السلوك وتغذّيه.
شهادة شيللي كيتلسون تضع المجتمع الدولي والمؤسسات الإعلامية ومنظمات الدفاع عن حرية الصحافة أمام مسؤولية أخلاقية واضحة: لا يمكن القبول بخطاب مزدوج يرفع شعارات تحرير المرأة في العلن، ويمارس ضدها أقسى أشكال التحرش والتهديد في الخفاء. ولا يمكن فصل حرية الصحافة عن حماية الصحفيات، خاصة في مناطق النزاع، حيث تصبح الحقيقة نفسها هدفاً، وتصبح المرأة التي تنقلها هدفاً مضاعفاً.
في المحصلة، ما قالته كيتلسون ليس اتهاماً سياسياً بقدر ما هو شهادة مهنية وإنسانية، تكشف أن أكثر الجهات ادعاء للدفاع عن المرأة قد تكون، في الممارسة، من أكثر الجهات انتهاكاً لها حين تخرج عن صفها أو ترفض أن تكون أداة في دعايتها.
ريم الناصر - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية