أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

قسد وإدارة الظل: كيف تكشف تقارير دولية إعادة تدوير الفوضى في سوريا ما بعد النظام

أرشيف

لا تسقط الأنظمة دفعة واحدة، ولا تختفي أدواتها بالسرعة نفسها..
ففي سوريا ما بعد سقوط النظام، لا تُدار الفوضى دائماً من الواجهة، بل من الظل، عبر شبكات تعيد التموضع وتبدّل الرايات دون أن تغيّر وظائفها.

وفي قلب هذا المشهد، تكشف تقارير استقصائية دولية وشهادات ميدانية محلية أن "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، التي تقدّم نفسها كقوة ديموقراطية بديلة، باتت جزءا من معادلة أكثر تعقيدًا: معادلة تقوم على احتواء فلول النظام السابق، وتشغيل شبكات نقل سري للسلاح، ودعم مليشيات محلية خارج مناطق السيطرة، بما يعيد إنتاج عدم الاستقرار بدل تفكيكه.

هذه ليست اتهامات سياسية عابرة، بل خلاصات تقارير موثقة صادرة عن مركز إيكاد وتحقيق استقصائي نشرته صحيفة واشنطن بوست، تتقاطع مع شهادات ميدانية من الداخل السوري، وتفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الدور الفعلي الذي تؤديه قسد في المرحلة الانتقالية.

فلول النظام… من السقوط إلى إعادة التموضع
كشف مركز إيكاد، اعتماداً على عمليات تتبع دقيقة ومصادر موثوقة، عن اندماج عناصر مرتبطة بالنظام السوري السابق داخل صفوف قسد، بعضهم خدم في وحدات أمنية وعسكرية لعبت أدواراً بارزة خلال سنوات الحرب. وبحسب التقرير، أعادت هذه العناصر التموضع بعد سقوط النظام، وظهرت لاحقا بالزي العسكري الرسمي لقسد ضمن تشكيلات خاصة، في انتقال جرى بهدوء وعلى مراحل.

ويشير التقرير إلى أن هذا الاندماج تمّ دون إعلان رسمي أو توضيح لآليات التدقيق والمساءلة، مستفيداً من تعقيدات المشهد الأمني وتعدد القوى المسيطرة. ويرى باحثون أن هذا النمط لا يمكن فصله عن رغبة في الاستفادة من خبرات العمل الأمني السابقة بدل تفكيكها، ما يثير شكوكاً حول مدى التزام قسد بمبادئ العدالة الانتقالية وعدم إعادة إنتاج البنية الأمنية ذاتها التي قامت الثورة ضدها.

الرقة… عقدة لوجستية خلف واجهة الإدارة
تتقاطع معطيات إيكاد مع شهادات ميدانية محلية تفيد بأن مناطق سيطرة قسد، ولا سيما مدينة الرقة، تحولت خلال الفترة الماضية إلى نقطة انطلاق لشبكات نقل سري للسلاح والمعدات الحساسة باتجاه محافظات أخرى.

وتؤكد مصادر محلية أن عمليات النقل اعتمدت على:
- طرق صحراوية فرعية بعيدة عن الرقابة.
- آليات مدنية مموّهة بمواد زراعية.
- سيارات جرى تعديلها تقنياً لإخفاء الأسلحة وأجهزة الاتصال.
- ونقاط عبور وسيطة داخل البادية.

ويقول خبراء أمنيون إن هذا النمط يعكس تنظيماً لوجستياً عالي المستوى لا يمكن تصنيفه كنشاط تهريب فردي، بل كجزء من شبكة تعمل وفق حسابات دقيقة، مستفيدة من الفراغات الجغرافية والأمنية، ومؤشرة إلى نية إدارة الصراع لا احتوائه.

دعم المليشيات… نفوذ بلا مسؤولية مباشرة
في سياق متصل، كشفت صحيفة واشنطن بوست في تحقيق استقصائي أن قسد قدّمت دعماً مالياً وعسكرياً لمليشيات محلية خارج مناطق سيطرتها المباشرة، شمل تمويلا مباشراً وتدريب مقاتلين في شمال سوريا.

ويشير التقرير إلى أن هذا الأسلوب مكّن قسد من توسيع نفوذها الأمني دون الانخراط في السيطرة الميدانية المباشرة، عبر وكلاء محليين يحافظون على حالة التوتر والسيولة الأمنية، ويمنحونها أوراق ضغط سياسية وأمنية في مناطق لا تديرها رسمياً.

بين الخطاب والممارسة
تسلّط هذه الوقائع الضوء على تناقض متزايد بين الخطاب السياسي الذي تقدمه قسد بوصفها قوة "ديمقراطية" تسعى إلى الاستقرار، وبين ممارسات ميدانية تقوم على العمل الخفي، ودعم الفاعلين المسلحين، وإعادة تدوير كوادر النظام السابق. وهو تناقض يعيد إلى الأذهان أنماط إدارة الصراع التي طبعت المرحلة السابقة، وإن اختلفت الشعارات واللافتات.

ويحذر باحثون في الشأن السوري من أن تجاهل هذه المؤشرات لا يهدد فقط فرص التعافي الأمني، بل يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الفوضى بصيغ جديدة، في لحظة كان يُفترض أن تشكّل قطيعة مع الماضي لا امتداداً له.

مشهد مفتوح على الأسئلة
في المحصلة، ووفق ما تكشفه تقارير إيكاد وواشنطن بوست، مدعومة بشهادات محلية متقاطعة، تبدو قسد فاعلاً يتجاوز إدارة مناطق نفوذه إلى هندسة مشهد عدم الاستقرار على المستوى السوري الأوسع. مشهد يطرح أسئلة صعبة حول طبيعة المشروع الذي يجري بناؤه في الظل، وحول ما إذا كانت سوريا تتجه فعلاً نحو مرحلة انتقالية قائمة على المحاسبة، أم نحو إعادة تدوير الأزمة بأدوات جديدة وواجهة أكثر قبولًا دوليا.

ريم الناصر - زمان الوصل
(1740)    هل أعجبتك المقالة (12)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي