لم تكن ليلة الخميس الماضي مجرد ليلة باردة أخرى في أزقة حمص، بل كانت ليلة دامية أعادت إلى الأذهان ذكريات الفوضى التي يحاول السوريون جاهدين تجاوزها.
عند بوابة "مشفى الكندي"، وبينما كان الكادر الطبي يستعد للعودة إلى منازلهم، كان الرصاص أسرع من خطى الوداع، لتخطف أربعة أرواح، تاركةً خلفها مدينةً تغلي بالأسئلة والمخاوف.
المسرح والجريمة: مباغتة في وضح التعب
في عملية اتسمت بالجرأة والدقة، استهدف مسلحون مجهولون سيارة تقل موظفين من مشفى الكندي. الحصيلة كانت قاسية: المهندسة ليال سلوم، المدير الإداري ذو الفقار زاهر، الممرض علاء ونوس، والسائق مازن الأسمر. أربعة أسماء تحولت من سجلات الموظفين إلى قوائم "القتلى"، بينما يرقد المحاسب أسامة ديوب على سرير الشفاء، الشاهد الوحيد على اللحظات الأخيرة قبل وقوع الكارثة.
العدالة الناجزة: استحقاق لا يقبل التأجيل
تتعالى الأصوات في الشارع الحمصي اليوم، ليس فقط للمطالبة بالتعازي، بل للمطالبة بـالمحاسبة. إن استهداف قطاع الصحة هو طعنة في خاصرة المجتمع؛ فالمشفى الذي يستقبل الجميع بلا استثناء، بات كادره اليوم هدفاً.
فخ الطائفية: هل الجريمة محاولة لخلط الأوراق؟
مع وقوع أي جريمة بهذا الحجم، تبدأ ماكينات التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي بربط الحادثة بالخلفيات الطائفية. لكن نظرة أعمق على الواقع تشير إلى "أجندات" أبعد:
- زعزعة الاستقرار: هناك أطراف (خلايا نائمة أو عصابات جريمة منظمة) تستفيد من إذكاء النعرات الطائفية لتشتيت انتباه الأجهزة الأمنية.
- ترهيب الكفاءات: استهداف كادر "مشفى الكندي" تحديداً، وهو صرح طبي حيوي، يهدف إلى دفع ما تبقى من خبرات طبية للهجرة أو الانكفاء، مما يزيد من معاناة المواطنين.
- الوعي الشعبي: حتى الآن، أظهرت عائلات الضحايا وزملاؤهم وعياً كبيراً برفض الانجرار وراء الخطاب الطائفي، مشددين على أن "القاتل لا طائفة له" وأن الرصاصة التي قتلت ليال وعلاء لم تسأل عن هويتهما قبل اختراق جسديهما.
امتدادات القضية: الجنائي والسياسي
البحث في امتدادات هذه القضية يفتح ملفات شائكة؛ من انتشار الدراجات النارية غير المرخصة التي تستخدم في الاغتيالات، إلى السلاح العشوائي الذي ما زال يفتك بالسلم الأهلي. إن القضية اليوم ليست مجرد جريمة قتل، بل هي اختبار لقدرة المدينة على التوحد خلف مفهوم "المواطنة" في مواجهة "الإجرام".
ستبقى دماء كادر مشفى الكندي شاهدة على مرحلة حرجة؛ فإما أن تكون دماءهم دافعاً لاجتثاث بؤر الإجرام وفرض سلطة القانون، أو تظل جرحاً مفتوحاً يغذي الاحتقان. حمص اليوم لا تنتظر بيانات الاستنكار، بل تنتظر رؤية القتلة خلف القضبان.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية