بينما تقترب سوريا من طي صفحة الحرب الطويلة عبر تفاهمات سياسية تسعى لتوحيد البلاد، تطل "قوات سوريا الديمقراطية" قسد مجدداً عبر افتعال مواجهات في قلب مدينة حلب، لتثبت مرة أخرى أنها لا تزال تعمل كـ "دولة داخل الدولة"، ضاربةً بعرض الحائط سيادة القانون وحق ملايين السوريين في العيش بأمان.
تستمر "قسد" في ممارسة سياسة الهروب إلى الأمام؛ ففي الوقت الذي تدعي فيه انخراطها في حوار وطني مع دمشق، نجدها تصر على إبقاء مربعات أمنية مغلقة داخل المدن الكبرى (الشيخ مقصود والأشرفية نموذجاً)، مما يحول هذه الأحياء إلى "قنابل موقوتة" تُستخدم للابتزاز السياسي كلما تعثرت المفاوضات. هذه الازدواجية تثير تساؤلاً جوهرياً: هل "قسد" مشروع سوري حقيقي، أم هي مجرد أداة لإبقاء سيف التقسيم مسلطاً على رقبة الدولة؟
المقامرة بحياة المدنيين
إن تحويل الأحياء المكتظة في حلب إلى منصات لإطلاق القذائف والمسيرات الانتحارية ضد مؤسسات الدولة ومطاراتها المدنية، ليس "دفاعاً عن الذات" كما تروج الماكينة الإعلامية لـ "قسد"، بل هو اتخاذ للمدنيين دروعاً بشرية. إن الإصرار على عسكرة الأحياء السكنية ومنع دخول القوى الأمنية الرسمية إليها يخلق بيئة من الفوضى الأمنية التي لا تخدم سوى القوى الخارجية الطامعة في الشمال السوري.
تعطيل "اتفاق الاندماج"
شكل "اتفاق مارس" بصيص أمل لتوحيد القوى العسكرية تحت مظلة الجيش السوري، لكن سلوك "قسد" الأخير في حلب يوضح نيتها المبيتة لتعطيل هذا الاندماج. إن اشتراط "قسد" الحفاظ على استقلالية هيكليتها العسكرية يعني ببساطة شرعنة "الميليشيا" وتكريس الانفصال بصبغة قانونية، وهو أمر يرفضه أي منطق سيادي وطني.
عواقب اللعب بالنار
إن محاولات "قسد" لفرض "أمر واقع" جديد في حلب عبر التصعيد العسكري هي مغامرة غير محسوبة العواقب. فهي من جهة تعطي الذريعة للتدخلات الخارجية (خاصة التركية)، ومن جهة أخرى تفقدها الحاضنة الشعبية التي سئمت من الحروب والمربعات الأمنية المعزولة.
على قيادة "قسد" أن تدرك أن زمن "المناطق الرمادية" قد انتهى، وأن الطريق الوحيد لضمان مستقبل السوريين في تلك المناطق يمر عبر التسليم الكامل بسيادة الدولة ومؤسساتها، وليس عبر تحويل أحياء حلب إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تنفيذ أجندات عابرة للحدود.
زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية