جاء مقال الدكتور مظهر الويس، وزير العدل، تحت عنوان "هل تأخّر مسار العدالة الانتقالية؟"، ليحاول الإجابة على قلق الشارع السوري، لكنه في الحقيقة أثار من الهواجس أكثر مما قدم من طمأنات. فبينما يغرق النص في "الإنشاء الثوري" والوعود المؤسساتية، يبرز تساؤل جوهري: هل نحن أمام عدالة حقيقية أم أمام عملية "إخراج قانوني" لتأجيل الاستحقاقات الكبرى؟
أولاً: فخ "التدرج" والمأسسة المفرطة
يستخدم الوزير مصطلح "المسار المتدرج" كذريعة لتبرير البطء في النتائج الملموسة. إن خطورة هذا الطرح تكمن في تحويل العدالة الانتقالية من "حالة طوارئ وطنية" إلى "روتين بيروقراطي". فبينما ينتظر الضحايا إجراءات ناجزة، يتحدث الوزير عن "هياكل" و"ورش تدريبية" و"مقاربات معقدة"، مما يوحي بأن الدولة تحاول "إغراق" الملف في اللجان الفنية للهروب من القرارات السياسية الجريئة.
ثانياً: استقلالية القضاء أم "إعادة تدوير"؟
يتحدث المقال عن "إعادة انخراط القضاة المنشقين" و"استبعاد المتورطين". هنا يبرز غياب المعايير الشفافة؛ فمن هي الجهة التي ستقرر "شرف القضاء"؟ وهل ستتحول عملية الفحص إلى أداة تصفية سياسية أو، على العكس، باباً لعودة من لم تلطخ أيديهم بالدماء لكنهم ساهموا في شرعنة الاستبداد لسنوات؟ إن غياب رقابة المجتمع المدني المستقلة على هذه العملية يجعل "استقلالية القضاء" مجرد شعار تحت سيطرة الوزارة.
ثالثاً: شماعة "الدعم الدولي" وجبر الضرر
من المؤسف أن يربط الوزير ملفات حساسة مثل "جبر الضرر" وكشف الحقيقة بـ "الدعم الدولي" و"رفع العقوبات". هذا الربط يمثل تخلياً ضمنياً من الدولة عن مسؤوليتها القانونية تجاه مواطنيها. إن جبر الضرر هو التزام سيادي لا ينبغي أن ينتظر "المانحين"، وربطه بالخارج يجعل حقوق الضحايا رهينة للتوازنات الدولية والمساومات السياسية.
رابعاً: لغة "التحريض" وتكميم النقد
أخطر ما ورد في خطاب الوزير هو دعوته للنخب والمؤثرين بعدم "الضغط" أو "التسرع"، واعتبار ذلك نوعاً من "التحريض غير المقصود". هذه اللغة تعيد إنتاج فكر "الأبوية السلطوية"؛ حيث تُعتبر الرقابة الشعبية والمطالبة بالحقوق "إعاقة للمسار". إن العدالة الانتقالية لا تنجح إلا بضغط الضحايا، ومحاولة "تهدئة" هذا الضغط هي محاولة لامتصاص زخم العدالة وتفريغها من محتواها الثوري.
خامساً: ضبابية ملف المفقودين
رغم الحديث عن "هيئة وطنية للمفقودين"، لم يقدم الوزير جدولاً زمنياً واحداً، ولم يتحدث عن فتح المقابر الجماعية أو الكشف عن سجلات السجون بشكل فوري. الاكتفاء بعبارات مثل "حفظ الأدلة" و"التنسيق" لا يكفي لعائلات تنتظر منذ عقد من الزمن. إن "رواق العدالة" الذي يبشر به الوزير في عام 2026 قد يتحول إلى "متاهة قانونية" إذا لم يقترن بإرادة سياسية تضع الحقيقة فوق "الاستقرار الهش".
رسالة من أهالي المفقودين
إن خطاب الوزير الويس هو خطاب "رجل دولة" يحاول إدارة الأزمة لا حلها. إن السوريين لا يحتاجون إلى "تصحيح مفاهيم" بقدر ما يحتاجون إلى "تصحيح واقع". إن العدالة التي لا يشعر بها المواطن في منزله وممتلكاته وحرية أبنائه المعتقلين، تبقى عدالة "ورقية" تسكن أرشيف وزارة العدل فقط.
الحسين الشيشكلي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية