سياسة الترقيع وتعديل القوانين والدخول في دهاليز التعليمات التنفيذية وتعديلها أمر لا يفيد. لابد من عمل جراحي واستئصال كامل لكل القوانين التي أصدرها البائد، يجب استئصالها كلياً وبناء منظومة قانونية تتضمن تعليمات تنفيذية واضحة تتواءم مع التطور المبهر الذي جرى في عالم الصناعة المتحضر، وخاصة في مجال التشجيع على الصناعات التكنولوجية والطاقة.
ما الفرق بيننا وبين ماليزيا أو تايوان أو حتى فيتنام كي لا نستطيع أن نصنع هاتفاً نقالاً مثلاً، أو محركاً بسيطاً، أو لوح طاقة شمسية؟ لا فرق إطلاقاً. المشكلة في الإرادة ومن ثم الإدارة، فإن تحقق هذان الأمران ستصل سوريا وبسهولة فائقة لتصبح بلداً صناعياً متحضرًا. لابد من تغيير الطريق، لابد من الإبداع.
في سوريا لا توجد صناعة وطنية خالصة. منذ سبعينات القرن المنصرم تم وضع الخطة وتم تنفيذها بالحرف، والنتيجة تحققت. نعم تحققت، سوريا صارت تشتري أكثر بأضعاف ما تبيع وهذا هو المخطط وقد نجح. تدمير الصناعة الوطنية وتدمير الاقتصاد تحقق وانتهى الأمر. كفى حديثاً عن حماية الصناعة الوطنية، فلا يوجد في سوريا صناعة وطنية خالصة.
العالم صار يصنع الذكاء ونحن لا نزال نصنع الوهم والخراب. لا نزال نصر على منع المستورد الجاهز الرخيص ونسمح بالمستورد المجزأ لنجمعه أو نخلطه أو نحوله ليصبح جاهزاً وطنياً غالي الثمن. هل تذكرون سياسة ترشيد الاستيراد؟ سأشرح لكم ماهي: كان البائد يمنع استيراد غسالة أوتوماتيك مثلاً بحجة أن هناك مصانع تنتج غسالات مشابهة، ولكنه يسمح لهذه المصانع باستيراد هذه الغسالة على شكل قطع (مجزأة) تحت اسم مخصصات للصناعة وليست للتجارة ليجمعها ويبيعها ويمنحها اسماً (ماركة) ويطرحها في الأسواق تحت صنع في سوريا.
الصناعة التي تعتمد على مواد أولية مستوردة بالكامل لا يمكن وصفها بالوطنية. دلوني على منتج صناعي وطني واحد مكوناته محلية الصنع؟ لا يوجد. كل المصانع تستورد جميع المكونات بالمفرق وتعيد جمعها أو خلطها أو تحويلها وتطرحها بالأسواق أو تصدرها تحت اسم صناعة سورية، وهذا يعني أن من يقول إن الصناعة الوطنية توفر قطعاً أجنبياً وتخفف الضغط على سعر الصرف هو يجانب الصواب.
وهذه هي حقيقة معظم الصناعات الموجودة في سوريا، إضافة إلى أنه حتى إن كان هناك مواد أولية تنتجها الطبيعة فالبائد لم يكن يشجع على أن يكسبها قيمة مضافة، بل كان يبيعها خاماً كما كان حال القطن الذي كان يتم تصديره خاماً أو الفوسفات الذي كان ولا يزال يصدر خاماً، وهذا يعني أن البائد لم يكن يشجع على إنشاء مصانع تستخدم هذه المواد في التصنيع محلياً بل كان يصدرها على حالها بأثمان بخسة ويعيد استيرادها إلينا بأضعاف الأثمان على شكل منتجات مختلفة.
كيف نجعل من سوريا بلداً صناعياً؟ سؤال أجيب عليه من خلال هذا المقال البحثي المطول وهو موجه للمهتمين بالشأن الصناعي وأخص التوجيه للسادة القائمين على إدارة الشأن الصناعي في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية. هذا البحث فيه توصيف لواقع الصناعة خلال حكم البائد وفيه مقترحات وحلول للخروج من هذا الواقع البائس.
أولاً التوصيف: كل المصانع السورية تعتمد على مواد ومكونات مستوردة، وكل المصانع لديها قوائم مخصصات معتمدة من مديرية الصناعة التابعة لها، وهذه المخصصات هي بمثابة إجازة سماح لصاحب المصنع باستيرادها، علماً أنه لا يحق للصناعي الذي يستورد مخصصاته من المواد الأولية أن يبيعها أو يتاجر بها، بل عليه أن يدخلها في عمليته الإنتاجية ويعتبر مخالفاً إن تاجر بها أو تصرف بها خلاف ذلك. طبعاً أسوق هذه المعلومة لأدلل على أن الصناعي له ميزة القدرة على الاستيراد، وهذا يعني أن الصناعي لا يعتمد على المواد المستوردة فحسب بل له قوة حمائية تتيح له ممارسة الاستيراد، وهذا بحد ذاته يدلنا على أن المنتج المحلي هو منتج أجنبي مستورد بالمجزأ، ولا يختلف عملياً عن المنتج الأجنبي المشابه إلا بأن الأول كتب عليه صنع في سوريا والثاني صنع في بلد آخر.
وهذه الحقيقة تنطبق على كل ما نشاهده في الأسواق من منتجات يقال عنها إنها منتجات محلية ويجب على الدولة حمايتها، ولا يجوز أن نستورد شبيهاً لها أو على الأقل يجب أن نفرض على شبيهها رسوماً جمركية عالية تزيد من كلفة دخولها الأسواق. للأسف هذا هو واقع المنتجات المحلية بدءاً من الصناعات الهندسية كالبرادات والغسالات والأدوات الكهربائية والدراجات النارية والسيارات وسواها، والتي لا تحمل من اسمها الوطني إلا اسم صاحب المصنع الذي يستورد مكوناتها من المحرك وحتى كبسة التشغيل.
هل تتخيلون مثلاً أنه في عام 2005 صار في سوريا مصنع سيارات وطني ينتج سيارة اسمها شام وهذا المصنع يستورد كل مكونات السيارة بدون استثناء بما فيها الدواليب التي ينفخها بعد أن يجمعها ويطرحها بالأسواق، ويتباهى الرئيس الساقط ويركبها في مقر المصنع ويعلن عن إطلاقها على أنها فخر الصناعة السورية. إنها صناعة الوهم والخراب.
أما الصناعات الدوائية التي تعتبر متطورة في سوريا فإنها أيضاً تعتمد في كل مكوناتها على مواد أولية مستوردة، والمؤلم أنه لا يوجد في سوريا ولو معمل واحد ينتج مضاداً حيوياً واحداً أو فيتاميناً أو حتى سواغاً أو خافضاً للحرارة، علماً أن كثيراً من الدول تنتجها وتصدرها لنا مثل الهند أو الباكستان وهي دول ليست أفضل من سوريا بالمستوى العلمي والمعرفي.
طبعاً كل ذلك بسبب النهج المتخلف والمدمر الذي نهجه بناة اقتصاد سوريا من سبعينات القرن الماضي. بئس هذه السياسة وبئس من وضعها وخطط لها، تلكم السياسة التي منعت السوريين من إنشاء صناعة حقيقية وطنية كاملة من ألفها إلى يائها. هذا البائد منع السوريين من مواكبة العالم المتحضر الذي طور صناعاته ومراكز أبحاثه، ففي سوريا لا يوجد مركز أبحاث علمي يعطي دراسات تخص صناعة ما.
حتى صناعة الألبسة صارت كل مكوناتها مستوردة من الخيط والقماش إلى الأزرار والسحابات والدبوس. ولا أنسى الصناعات الغذائية كالسكر والزيت النباتي حيث تستورد هاتان المادتان خاماً بآلاف الأطنان وملايين الدولارات حيث تكرر وتنقى فيما يعرف بمصانع السكر والزيت المحتكرة لأصحاب النفوذ والحيتان، والتي بنيت على أنقاض مصانع السكر الحقيقية التي كانت تعتمد الشوندر السكري مصدراً لها، وكل هذا بفضل السياسة الاقتصادية المدمرة التي مارسها البائد منذ تسعينات القرن الماضي.
في سوريا الآن لا يوجد صناعة مادة أولية دوائية واحدة، وكل مصانع الدواء ستتعطل إن توقفت تغذيتها بالمضادات الحيوية أو السواغات أو مستلزمات الإنتاج. وأقيس على ذلك أيضاً كل الصناعات الكيميائية، فتصوروا أن صناعة صحون البلاستيك أو الكراسي البلاستيكية تندرج ضمن الصناعات الكيميائية كتصنيف في قوائم وزارة الصناعة السورية. ولا أبالغ أنه حتى الصناعات الغذائية كصناعة الدواجن والكونسروة لا يوجد في مكوناتها شيء وطني بدءاً من الأعلاف والأدوية وانتهاء بالبذور الزراعية والمواد الحافظة والأسمدة والمبيدات. كل ذلك مستورد حتى مواد التغليف من كرتون وأحبار، ولكم أن تتصوروا معنى كلمة مستورد وما يكلف ذلك من عملة صعبة تقدر بالمليارات.
كل الاقتصاد السوري قائم على الاستيراد وأولها الشق الصناعي منه. للأسف لا يوجد مصنع في سوريا يعتمد على مواد محلية في إنتاجه بما في ذلك مصانع المياه المعدنية. أما مصانع القطاع العام فحدث ولا حرج: مصانع محارم كنار، أقلام رصاص، كونسروة، سيرونيكس، منظفات سار، ألبان وأجبان، معمل ميكروباصات في حمص، معمل شاشات في القابون وغيره الكثير من السخافات، كل محتوياتها مستوردة بما فيه النكهة التي توضع للبسكويت أو العلكة، هذا عدا عن أن البائد أهدر بإنشائها مواقع عقارية مهمة في أواسط المدن دون تطوير يذكر.
الطريف بالأمر أنه حتى هذه الصناعات كانت محصورة بالحيتان والأزلام، وكان الساقط يشترط لقيامها شروطاً لا يقدر عليها سوى أزلامه، وإن استطاع البسطاء تنفيذها فيحتاج الأمر سنوات من الابتزاز والروتين للحصول على الرخصة، وإن نجح المشروع تتكالب عليه كل الجهات الرقابية لتفشيله أو مشاركتهم فيه، وهذا ما دفع كثيراً من أصحاب المال أن يهجروا ويبتعدوا. فيما يلي أذكر بعضاً من هذه القرارات:
- لا يجوز إنشاء مصنع إلا في المدن الصناعية بحجة التنظيم.
- البلاغ رقم عشرة يمنح الصناعي مهلاً تتجدد سنوياً لنقل مصنعه، تحت رحمة الإزالة.
- القانون 21 لعام 1958 لا يزال هو صاحب القرار الفصل بالترخيص، عدا عن الموافقات الأخرى: الأمنية، ووزارة الدفاع، والزراعة، والبيئة، والموارد المائية.
موافقات لا تعد ولا تحصى وفي النهاية تحصل على ترخيص مؤقت تتعهد فيه بنقل المصنع لاحقاً. كل هذا من أجل الرخصة ولم نصل بعد للبناء أو استيراد خطوط الإنتاج والمواد الأولية، وما أدراكم ما حجم التعقيدات للوصول إلى مرحلة الإنتاج، لتأتي بعدها الواسطة لمنح المخصصات، ثم المالية والتأمينات والجمارك واستخلاص إجازات الاستيراد. مشوار طويل ومعقد لا يقدر عليه إلا الصابرون وأصحاب النفوذ. هذه هي حقيقة مشوار العمل الصناعي في سوريا والتي لا تزال معمولاً بها حتى الآن.
ثانياً الحلول:
- التشجيع على صناعة المواد الأولية محلياً ومنح تراخيص سهلة لذلك.
- إلغاء القانون الخاص بالصناعة لعام 1958 وإصدار قوانين عصرية تتواءم مع التطور العالمي.
- إلغاء التعليمات التنفيذية 3294 لعام 1998 كلياً وعدم الخوض في تعديلاتها.
- التشجيع على إقامة مشاريع صناعية تخوض في عالم الدواء وخصوصاً المواد الأولية.
- التشجيع على الصناعات الحديثة في مجال الطاقة والتكنولوجيا ومنح مزايا كإعفاء ضريبي أو قروض بفوائد صفرية، والابتعاد عن الصناعات التقليدية التي تعتمد على الاستيراد.
- السماح لاقتصاد الظل بالانتعاش من خلال عدم ملاحقة المصنعين الصغار وأصحاب الورش وتركها تنشط ريثما تتحسن الأحوال، لتسهيل سبل العيش والاكتفاء بالمراقبة لجهة الغش والتدليس.
كيف نجعل من سوريا بلداً صناعياً؟
عندما تصبح الصناعة بمتناول البسطاء وليست حكراً على الأغنياء.
عندما يصبح المبدعون والمخترعون أصحاب مقعد ضمن مقاعد الفاعلين في البناء، لا أن تكون هذه المقاعد مخصصة فقط لأصحاب النفوذ والولاءات.
وأخيراً وهو الأهم: عندما نصبح كسوريين بائعين أكثر منا مشترين.
عصام تيزيني - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية