أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هل أصبح الالتزام بالقانون "غرامة"؟ نظرة في قرار وزارة الطاقة الجديد لتقدير الاستهلاك

أرشيف

بعد رفع تعرفة أسعار الكهرباء في 1 تشرين الثاني 2025، صدر موافقة من من معاون وزير الطاقة بتاريخ 28 كانون الأول 2025، ينص على الآتي:
- الفئة المستهدفة: المشتركون المنزليون (على التوتر المنخفض) الذين قدموا طلبات لتركيب عداد جديد (مشتركون جدد) أو طلب استبدال عداد مفقود (كالعائدين إلى منازلهم في المناطق المحررة)، ولكن لم تتمكن شركات الكهرباء من تلبية طلبهم بسبب "عدم توفر العدادات".
- الإجراء الجديد: بدلاً من انتظار تركيب العداد، سيتم تقدير استهلاكهم بشكل إلزامي وقسري بمقدار 400 كيلوواط ساعي لكل دورة (شهرين).

كيفية الحساب
- للمشتركين العاديين (غير المعفيين): يحاسبون على 300 ك.و.س بالسعر المخفف (600 ل.س) و100 ك.و.س بالسعر الأعلى (1400 ل.س).
- للمشتركين المعفيين من التقنين: يحاسبون على كامل الـ 400 ك.و.س بالسعر الكامل (1700 ل.س/ك.و.س).
- المدة: يستمر هذا التقدير الإلزامي حتى "تأمين العدادات" بموعد غير محدد.

ببساطة، القرار يقول: إذا تقدمت بطلب لتصبح مشتركًا نظاميًا (وأنت لم تكن لديك عداد)، فسوف نفرض عليك فاتورة شهرية تقديرية ثابتة حتى نتمكن نحن (الدولة) من توريد العداد لك، بغض النظر عن استهلاكك الفعلي.





القرار والإشكاليات الكبرى (لماذا يُعد قرارًا سيئًا وغير عادل؟)
هذا القرار، رغم نيّته الظاهرة في "تنظيم العمل"، يحمل في طياته اعترافًا صريحًا بالعجز، وتحويلًا لتبعات هذا العجز إلى عبء مالي على المواطن الملتزم. وإليكم الأسباب:
1. العقاب يقع على الملتزم ويهرب منه المخالف: (إلغاء لمبدأ العدالة)
- من يُعاقب؟ الشخص الذي بذل جهدًا وقدم أوراقه والتزم بالقانون (كالعائد إلى منزله المحرر وخاصة في المناطق التي كانت ثائرة أو المشترك الجديد).
- من يُهمل؟ الشخص الذي يقوم بـ "الاستجرار غير المشروع" (سرقة الكهرباء) أو الذي لم يقدم أي طلب ويستهلك بشكل غير قانوني وخاصة في المناطق التي يعود إليها الناس مجددا .
هؤلاء ليسوا مشمولين بالقرار، وعندما تصلهم العدادات الالكترونية مسبقة الدفع لاحقًا سيدّعون أنهم "لم يكونوا ساكنين" حتى لحظة بدء التركيب ليتجنبوا تسوية مستحقاتهم.
- النتيجة: يتم مكافأة المخالف الذي تهرب، ومعاقبة الملتزم الذي تحمّل عناء التسجيل. هذا ينسف أي حافز للمواطن للخروج من دائمة اللامبالاة والتهرب.

2. التقدير الإلزامي (400 ك.و.س) ظالم ولا يراعي الواقع المتنوع:
- المنازل غير المسكونة أو شبه المدمرة: كما تساءل المقال الصحفي، كيف تُحتسب تعرفة على بيت غير مسكون أو مهدم؟ كثير من العائدين يملكون منازل في الريف يزورونها لفترات قصيرة. إلزامهم بدفع مقابل استهلاك شهرين كاملين ظلم واضح.
- أصحاب الطاقة الشمسية: من قام بتركيب أنظمة شمسية قد لا يستهلك من الشبكة إلا القليل. إجباره على دفع 400 ك.و.س هو إجبار على دفع مقابل خدمة لم يحصل عليها.
- المسافرون أو غير المقيمين: من سافر للعمل خارج محافظته، سيدفع فاتورة وهو لم يستفد. القرار يتجاهل تمامًا تباين أنماط الاستهلاك.

3. "جباية بلا عدادات": تحويل العجز الفني إلى ضريبة جديدة
- اعتراف بالعجز: كما أشار مقال "زمان الوصل"، فإن بداية القرار بعبارة "نظراً لعدم توفر العدادات" هي إقرار رسمي بفشل المنظومة اللوجستية.
- المنطق المقلوب: بدلاً من معالجة هذا العجز كأولوية، يتم تحويله إلى آلية جباية جديدة. تُفرض فاتورة "افتراضية" بالتعرفة الجديدة المرتفعة أصلاً، مما يجعل العجز الفني بابًا لزيادة الإيرادات على حساب المواطن.
- الكمية المرتفعة: فرض 400 ك.و.س/شهرين يعتبر مرتفعًا قياسًا بساعات التقنين الطويلة، مما يجعل الفاتورة التقديرية عبئًا غير مبرر.

4. ضبابية "المؤقت" وغياب الخطة: تجاهل كامل للحلول الجذرية
- "مؤقت" بلا سقف زمني: القرار يصف الإجراء بأنه "مؤقت لحين تأمين العدادات". لكن غياب أي جدول زمني واضح أو خطة معلنة للتوريد والتركيب – خاصة في مناطق الفقد الكبير – يجعل هذا "المؤقت" شبه دائم، ويخلق قلقًا معيشيًا مستمرًا.
- تجاهل التحذيرات السابقة: قُبيل هذا القرار، حذرت "زمان الوصل" في مقال آخر من ضرورة معالجة الاستجرار غير المشروع ووضع خطة تركيب واضحة. القرار الجديد تجاهل كل ذلك، وركز على الجباية الجزافية من فئة سهلة التحديد (المتقدمين بطلبات)، متغاضيًا عن المشاكل الأكبر.

5. المنطق الإداري المعكوس الذي يعمق الأزمة:
- المنطق الصحيح: كان يجب إلزام جميع القاطنين في المناطق العائدة بتقديم طلب "عداد مفقود" كخطوة تسوية شاملة، ثم العمل على تركيب العدادات وفق خطة معلنة، ومعاقبة المتهربين بصرامة.
- منطق القرار الحالي: يعاقب فقط من صدق وأعلن عن نفسه، ويكافئ من استمر في التهرب. هذا يشجع على ثقافة اللامبالاة ويدمر ثقة المواطن بالمؤسسة، لأنه يثبت أن الالتزام يُعاقب عليه.

ماذا بعد؟
هذا القرار هو نموذج صارخ لـ "الجباية بلا عدالة". إنه يحوّل أزمة تقنية وإدارية (عجز في توفير العدادات) إلى عقوبة مالية جماعية تُفرض على الفئة الأكثر تعاونًا. 

وهو بذلك يعاقب الضحية (المواطن الملتزم) ويتغاضى عن الجاني الحقيقي (المتهرب وسارق التيار). القرار غير مدروس، يفتقر لأدنى مبادئ الإنصاف، ويعمق من الشرخ بين المواطن والدولة. المطلوب ليس مزيدًا من القرارات التقديرية الجزافية، بل خطة طوارئ شفافة وعادلة لتسوية الأوضاع، تبدأ بتأمين العدادات وتنتهي بتحصيل الحقوق من الجميع دون تمييز.

زمان الوصل
(61)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي