أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من خيام النزوح بغزة.. الطفلة سارة ترسم للعالم واقع الإبادة

داخل خيمة نزوح بمدينة غزة، توثق الطفلة سارة أبو سعدة معاناة الفلسطينيين بقطاع غزة برسومات تنجزها في ظروف قاسية، بعد أن أجبرتها حرب الإبادة الإسرائيلية على النزوح من بيتها في بلدة بيت لاهيا (شمال).

وبعد أن كانت لوحاتها قبل الحرب تعبر عن الحياة والفرح، تحولت أعمالها إلى توثيق الدمار والمجاعة والنزوح، في محاولة لإيصال واقع عامين من حرب الإبادة إلى العالم.

* الفن تحت الخيام
خلال نزوحها، فقدت سارة (15 عاما) منزل عائلتها وجميع لوحاتها السابقة تحت أنقاض القصف، لتبدأ مرحلة جديدة من الرسم داخل خيمة النزوح، مستخدمة ما يتوفر لها من أدوات في بيئة قاسية.

تقيم الطفلة حاليا في خيمة مصنوعة من قماش ونايلون، ضمن تجمعات نزوح أقيمت عقب تدمير أحياء سكنية واسعة في غزة، حيث تحولت الخيام إلى فضاء بديل تحاول من خلاله إيصال رسالتها للعالم.

ويعيش نحو 1.5 مليون فلسطيني نازح في مدارس ومساجد وشوارع وخيام، في ظل انعدام البدائل السكنية، بينما يقطن قطاع غزة نحو 2.4 مليون فلسطيني، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.



وتواصل إسرائيل حصار القطاع، وتمنع إدخال البيوت الجاهزة (الكرفانات) لإيواء من دمرت منازلهم منذ بدء الحرب.

ورغم وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لم يشهد الواقع الفلسطيني أي تحسن بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع ومنع وتقنين دخول المواد الأساسية.

في محيط خيمتها، لا يوجد ما يشبه مرسما فنيا، لكن تتوزع جالونات مياه فارغة وقطع خشب مهترئة وأقمشة ممزقة وأصوات نازحين تتقاطع في مساحة مكتظة.

فيما تنتشر الخيام البالية على أرض طينية، لتشكل هذه البيئة القاسية الإطار اليومي الذي تعمل فيه الطفلة سارة وتستلهم منها وحي أعمالها الفنية.

* وسائل بديلة
ومع غياب الأدوات الفنية الأساسية، تضطر سارة إلى البحث عن وسائل بديلة فرضها واقع النزوح، فخلال فترة الحرب استخدمت الفحم المستخرج من بقايا الحطب المحترق بدل الألوان، وصنعت لوحاتها من قطع خشبية وأقمشة جمعتها من بين الخيام، كما رسمت أحيانا على أغطية بلاستيكية (شوادر) نصبت مأوى للنازحين.

هذه الظروف القاسية انعكست مباشرة على مضمون رسوماتها التي لم تعد تشبه تلك التي ملأت طفولتها قبل الحرب، إذ اختفت الشوارع النظيفة والبيوت الملونة والوجوه الضاحكة، وحل مكانها الركام والدم وصور القتلى.

كما رسمت سارة لوحة "سفينة الصمود" على أمل وصولها إلى غزة وكسر الحصار، إلا أن اللوحة بقيت صورة لم تتحقق بسبب القرصنة الإسرائيلية والاعتداء على السفينة.

وفي 1 أكتوبر الماضي، هاجم الجيش الإسرائيلي 42 سفينة تابعة لـ"أسطول الصمود" أثناء إبحارها في المياه الدولية باتجاه غزة، واعتقل مئات الناشطين الدوليين على متنها، ونقلهم إلى سجن كتسيعوت، قبل البدء بترحيلهم في الثالث من الشهر.

تقول الطفلة أبو سعدة للأناضول إن رسوماتها تغيرت كليا منذ اندلاع الحرب، موضحة: "قبل الحرب كنت أرسم لوحات جميلة تعبر عن الحياة اللي كنا نعيشها، لكن مع الحرب انقلبت كل رسوماتي، وصرت أرسم عن الواقع والحرب".

* توثيق المعاناة
وتضيف أن لوحاتها باتت توثق المعاناة اليومية في غزة، إذ أصبحت ترسم الدمار والركام والدم وصور القتلى.

وعن رسم لوحات تعكس الوقائع، قالت: "رسمت عن المجاعة عندما كانت النساء يذهبن للحصول على مساعدات ويحملن أكياس الطحين، وعن سفينة الصمود".

وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية، عانى الفلسطينيون من شح حاد في المياه والطعام والدواء والوقود، ما أدى إلى وفاة عشرات جراء الحصار الإسرائيلي الذي ترافق مع سياستي التجويع والتعطيش.

وفي 22 أغسطس/ آب 2025 أعلنت "المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، عبر تقرير، "حدوث المجاعة في مدينة غزة (شمال)".



وتتابع أبو سعدة أنها رسمت أيضا لوحات عن عودة النازحين بعد توقف الحرب، وأخرى جسدت فيها المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، في إشارة إلى دعمها حقوق الفلسطينيين.

وتشير إلى أنها فقدت جميع لوحاتها القديمة بعد قصف منزل عائلتها، وبدأت الرسم من جديد داخل الخيام في ظروف صعبة ونقص أدوات الرسم.

وفي وصفها لأدوات الرسم بديلة، تقول: "في فترة من فترات الحرب كنت أستخرج الفحم من بقايا النار وأرسم فيه، وأحيانا أصنع اللوحة من الخشب والقماش".

* آمال معلقة
وعن أملها بالعودة إلى منزل العائلة، تقول سارة: "فوجئت بتدميره وعدم قدرتنا على الوصول إليه، لوقوعه في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي شمالي القطاع".

وتفيد سارة بأنها تتطلع إلى عودة الحياة الطبيعية لغزة، وعودة المدارس، وبأن تحظى موهبتها الفنية بدعم من جهة تتبناها وتساعدها على تطويرها، وترسم معالم الحياة الجميلة بالقطاع.

وتؤكد أنها تحاول من خلال رسوماتها إيصال صوتها ومعاناة فلسطينيي غزة للعالم، معتبرةً أن أعمالها تمثل رسالة توثيق لما يعيشه الفلسطينيون، في ظل ما وصفته بتجاهل دولي لما يجري في القطاع.

وما يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على الشريطين الجنوبي والشرقي من القطاع، إضافة إلى أجزاء واسعة من شمال غزة، مواصلا احتلال قرابة 60 بالمئة من مساحة القطاع.

وتواصل إسرائيل خروقاتها لوقف إطلاق النار مع "حماس" منذ 10 أكتوبر 2025، وارتكبت نحو 875 خرقا، وقتلت أكثر من 411 فلسطينيا، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الثلاثاء الماضي.

وخلّفت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة التي بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت لعامين، نحو 71 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا مع كلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

الأناضول
(9)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي