أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

كيف أعاد محور ترامب-وتين تشكيل النظام العالمي في عام 2025​؟

ترامب وبوتين - جيتي

في واشنطن، يراوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين التصعيد والتهدئة في علاقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن خلف هذه التذبذبات، تتضح مسارات أعمق: إعادة اصطفاف دبلوماسي أمريكي يُضعف كييف ويهزّ ركائز النظام الدولي.​

عندما تقدّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مدرج قاعدة عسكرية أمريكية في ألاسكا في 15 أغسطس/آب 2025، كانت يده ممدودة وابتسامة عريضة تعلو وجهه. وعلى بُعد أمتار قليلة، كان نظيره الأمريكي دونالد ترامب ينتظره بهدوء لعقد قمة ثنائية بينهما.

هذه الزيارة الأولى لزعيم روسي إلى دولة غربية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 اتّسمت بأجواء تشبه لقاءً قديما بين معارف يعودون إلى الواجهة. وسارع إعلاميون ومراقبون إلى الحديث عن عودة "قصة الحب السياسية" بين ترامب وبوتين، وهي علاقة خاصة كان ترامب قد أبرزها بالفعل خلال ولايته الرئاسية الأولى التي بدأت عام 2016.​

من العداء إلى التحالف؟
مع ذلك، لم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى تبدّل الخطاب في واشنطن؛ ففي أكتوبر/تشرين الأول لم يتردد ترامب في التصريح بأن فلاديمير بوتين يشكّل "عقبة" أمام تحقيق السلام في أوكرانيا.

ومع ذلك، بقيت السياسة الخارجية لإدارة ترامب منسجمة إلى حدّ بعيد مع أولويات موسكو. فخطة السلام الأمريكية لأوكرانيا، التي طُرحت في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي ، بدت أقرب إلى استنساخ للمطالب الروسية، في حين أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، التي كُشف عنها مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، تجنّبت تحميل روسيا أي مسؤولية عن إشعال الحرب في أوكرانيا.​

تصف ناتاشا ليندستيدت، الخبيرة في النظم السلطوية في جامعة إسكس، هذه العلاقة بأنها "علاقة تمرّ بفترات صعود وهبوط، والأهم من ذلك أنها تسير في اتجاه واحد". وترى فيرونيكا هينمان، المتخصصة في العلاقات الدولية وروسيا في جامعة بورتسموث، أن المحرّك الأساسي "هو إعجاب دونالد ترامب بالرجال الأقوياء على غرار فلاديمير بوتين، وكيفية استغلال الرئيس الروسي لهذا الإعجاب لمصلحته الخاصة".

ويصعب، في رأي الخبراء، اختزال هذه الديناميكية في مصطلحات شعبوية مثل "البروماس" أو "الأعدقاء". غير أن ثمة إجماعا بينهم على أن هذه العلاقة الملتبسة أفضت، خلال عام واحد فقط، إلى "نتائج هائلة على مستوى النظام العالمي"، وفق تعبير ناتاشا ليندستيدت.​​

أوكرانيا في قلب إعادة الاصطفاف
تتمثّل البداية، بطبيعة الحال، في الحرب على أوكرانيا. فبحسب ليندستيدت، يبدو أن فلاديمير بوتين نجح في إقناع الرئيس الأمريكي بأن لروسيا "حقاً" في أراضي أوكرانية، وأن ترامب استبطن خطاب الكرملين وروايته بشأن دونباس والقرم. وبذلك فقدت كييف أهم داعم لها منذ أن حلّ دونالد ترامب محل جو بايدن في البيت الأبيض.

وعلى نحو غير مباشر، أجبر هذا الاصطفاف الدبلوماسي لواشنطن على خط أكثر تقارباً مع موسكو أوروبا الغربية على إعادة تعريف دورها.

ولهذا السبب، بحسب سكوت لوكاس، الخبير في السياسة الدولية والدبلوماسية الأمريكية بجامعة دبلن، "قرّر الاتحاد الأوروبي تعبئة قروض بقيمة 90 مليار يورو لصالح أوكرانيا، لأنه يدرك أنه لم يعد قادراً على التعويل على الولايات المتحدة".​

القضية الأوكرانية تبقى حالة خاصة: فإعادة توجيه البوصلة الدبلوماسية الأمريكية يزيد من هشاشة فرص بقاء الدولة الأوكرانية، وفي الوقت نفسه يعكس التحوّلات العميقة في التوازنات العالمية التي نجمت عن الدينامية الجديدة في العلاقات الروسية–الأمريكية.​

نظام دولي "تبعثر" تحت وطأة ترامب
على غرار كييف، يجد النظام الدولي نفسه رهينة رئيس أمريكي "يقلّد أسلوب فلاديمير بوتين وطريقة تعامله مع العالم"، على حد تعبير ناتاشا ليندستيدت.

فبحسب سكوت لوكاس، يرى ترامب أن القائد القوي "لا يؤمن بمنظومة التحالفات، بل يفضّل العلاقات الشخصية المباشرة"، وهي رؤية يشاركها إياه بوتين. وتضيف فيرونيكا هينمان أن ترامب، شأنه شأن الرئيس الروسي، "لم يعد يلتزم بقواعد النظام الدولي القائم على المعاهدات".​

ولا يقتصر الأمر على انتقاداته المتكرّرة لحلف شمال الأطلسي؛ بل يشمل أيضاً ضربات عسكرية محل جدل قانوني ضد زوارق قبالة السواحل الفنزويلية، تتهمها واشنطن بنقل المخدرات.

ويحذّر خبراء تحدّثوا لوسائل إعلام دولية من خطر أن تدفع هذه السوابق دولاً أخرى إلى أن تحذو حذو الولايات المتحدة بصورة أكثر صراحة، وفي مقدمتها الصين التي سعت، حتى وقت قريب، إلى تقديم نفسها كـ"تلميذ منضبط" بل وكضامن محتمل للنظام الدولي. "النظام العالمي كما عرفناه قد تناثر فعلياً"، يلخّص سكوت لوكاس.​

تصعيد في الحرب الهجينة وبروز تقاطعات أيديولوجية
ترى ناتاشا ليندستيدت أيضاً أن فلاديمير بوتين وجد في سلوك دونالد ترامب مصدر تشجيع إضافي. ففي إطار حربه الهجينة ضد أوروبا، قد تكون العمليات الروسية أقل عدداً في 2025 مقارنة بسنوات سابقة، لكنها بدت أكثر استعراضاً وإيحاءً بالثقة بالنفس: من توغلات الطائرات المسيّرة في الأجواء الأوروبية، إلى محاولات اغتيال معارضين روس، مروراً برصد سفن تجسس روسية قبالة السواحل البريطانية.

جزء من هذا السلوك "يمكن تفسيره بقناعة بوتين بأنه يستطيع تجاوز الخطوط الحمراء من دون أن يدفع ثمناً يُذكر"، كما تقول ليندستيدت.​

وتحذّر الباحثة من أن التقارب بين ترامب وبوتين قد يخلّف آثاراً سياسية عابرة للحدود. فقبل 2025، كانت "روسيا البوتينية" في مواجهة كتلة غربية تقودها واشنطن بوصفها "حاملة لواء الحريات الفردية". أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة الأيديولوجية مع صعود دونالد ترامب وحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA).​

يشرح سكوت لوكاس أن بعض الأفكار التي صاغها الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين – أحد أبرز منظّري السلطة في موسكو – مثل أولوية النزعة القومية المتطرفة في ترتيب الأولويات السياسية، والنظر إلى الحضارة الغربية على أنها مهدَّدة بانقسامات عرقية واجتماعية، "تجد صدى شبه حرفي داخل بعض دوائر الحركة الموالية لترامب في الولايات المتحدة".​

تأثير ممتد على الديمقراطيات وحركات اليمين المتطرف
هذا التقارب الفكري–السياسي ينذر، برأي لوكاس، بإضعاف إضافي للديمقراطية خارج الحدود الروسية أو الأمريكية. فكل من موسكو وواشنطن، في ظل هذه الدينامية، "ستدعمان بشكل نشط حركات وأحزاب اليمين المتطرف حول العالم، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في الساحة الألمانية"، ما يكرّس صعود "دول وحركات نموذجها المرجعي رجل قوي واحد، على حساب التعددية والمؤسسات الديمقراطية".

أ ف ب
(1)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي