أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تجنيد القُصّر في الجزيرة السورية: جريمة تُرتكب باسم الحماية

أرشيف

لا يحتاج تجنيد الأطفال إلى تحقيقات معقدة حين تظهر الحقيقة في صورة واحدة. طفل بملامح لم تكتمل، يقف في صف عسكري، يُقدَّم للرأي العام بوصفه "متطوعًا". في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من يحمي من؟ بل كيف تحوّل الخطف وغسل الأدمغة إلى سياسة معلنة تُمارس باسم الحماية الذاتية؟

في مناطق سيطرة مليشيا "قسد"، لم يعد تجنيد القُصّر استثناءً أو تجاوزًا فرديًا، بل بات مسارًا متكاملًا يبدأ من المدرسة وينتهي في المعسكر. الطفل لا يصل إلى السلاح فجأة؛ يُمهد له الطريق منذ سنوات، عبر مناهج تعليمية تُفرغ ذاكرته من هويته الوطنية، وتزرع مكانها سردية أحادية، تُقدَّم على أنها الحقيقة الوحيدة. يتعلم الطفل رموزًا وشخصيات لا تنتمي إلى تاريخ سوريا، فيما يُغيب عنه تاريخ بلاده المتنوع، ليكبر وهو لا يعرف من هو، ولا إلى أي وطن ينتمي.

بعد هذا التفريغ الهوياتي، يصبح الخطف خطوة "منطقية" في مسار طويل. يُسحب الأطفال من أمام مدارسهم، من الحواري، أو من أمام منازلهم، ثم يُنقلون إلى معسكرات مغلقة. هناك، لا خيار ولا عودة، بل عزل كامل عن العائلة والمجتمع، ودورات عسكرية وأيديولوجية تُقدَّم على أنها وعي، بينما هي في حقيقتها إلغاء للإرادة الفردية لطفل لم يبلغ سن الرشد.

ولا يتوقف الأمر عند الفتيان. الفتيات أيضًا هدف مباشر، ولكن بأدوات مختلفة. داخل المدارس، تنشط لجان نسوية تابعة لقسد، تعقد لقاءات مع الفتيات، وتغرس خطابًا يصوّر الأسرة كجهة قمع، ويُقدّم المليشيا كحامٍ وبديل. تُزرع فكرة التمرد الأسري تحت شعار الحقوق، وتُعطى الفتيات وسائل تواصل مباشرة، ليبدأ بعدها سحبهن إلى معسكرات مغلقة، بعيدًا عن أهلهن، ودون أي رقابة أو مساءلة.

هذه الممارسات لا تدمّر طفولة الأفراد فقط، بل تضرب بنية المجتمع نفسه. الأسرة تُفكك، الثقة تُكسر، والروابط الاجتماعية تُستبدل بولاءات قسرية.

جيل كامل يُعاد تشكيله ليكون تابعًا لمشروع لا يشبه بيئته ولا تاريخه، وجاهزًا للزج به في صراعات لا يدرك أسبابها ولا نهاياتها.

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على اندلاع الثورة السورية، يظهر هؤلاء الأطفال اليوم في صور التخريج العسكري. أطفال كانوا في عمر السنة أو السنتين عندما بدأت الحرب، لم يُمنحوا حق التعلم الحر، ولا حق معرفة تاريخهم، ولا حق اختيار مستقبلهم. يُقدَّمون اليوم كحماة، بينما هم في الحقيقة ضحايا سياسة ممنهجة لتجنيد القُصّر وطمس الهوية.

ما يجري في الجزيرة السورية ليس حماية ذاتية، ولا مشروع استقرار، بل انتهاك صارخ للقانون الدولي، وجريمة أخلاقية بحق جيل كامل. جريمة لا يمكن تبريرها بشعارات، ولا تغطيتها بصور احتفالية. فالدفاع الحقيقي عن المجتمع لا يبدأ بخطف أطفاله، ولا ينتهي بزجهم في معسكرات مغلقة.

إن أخطر ما في هذه الجريمة أنها تُرتكب على مرأى العالم، وبصمتٍ طويل.

وصمت العالم، في هذه الحالة، ليس حيادًا… بل شراكة

ريم الناصر - زمان الوصل
(1281)    هل أعجبتك المقالة (11)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي