أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الشباب السوري، جيل يعيش على حافة المعنى

لا يستيقظ الشاب السوري اليوم وهو يفكر في السياسة، ولا ينام وهو يرسم ملامح مستقبل واضح، يستيقظ على أسئلة صغيرة في ظاهرها، ثقيلة في معناها:
كيف سيمر هذا اليوم؟
هل هناك عمل؟
هل يكفي الدخل؟
هل يمكن تأجيل المرض؟
هل الزواج حلم أم عبء؟
وهل ما زال الحلم نفسه أمراً منطقياً في بلد علّم أبناءه الاكتفاء بالحد الأدنى؟

هذا الجيل لم يعرف الاستقرار بوصفه حالة طبيعية، بل فتح عينيه على حرب، وكبر في ظل نزوح أو حصار أو خوف دائم، وتعلّم مبكراً أن الأمان ليس حقاً مضموناً، دخل شبابه وهو يرى بلده تتبدل خرائطها وحدودها ومعانيها، دون أن يُسأل عن رأيه، ودون أن يُمنح وقتاً لفهم ما جرى أو ما سيأتي.

لم يتعلّم هؤلاء السياسة في الجامعات، بل تعلّموها في الشارع: على الحواجز، في الطوابير الطويلة، في فقدان الأصدقاء، وفي الصمت الذي فُرض كشرط للبقاء.

تعلّموا الحذر قبل الكلام، والتقليل من الأحلام، وتخفيف التوقعات كي لا يصطدم بجبال الآلام.

المشكلة العميقة التي يعيشها الشبان والشابات في سوريا اليوم لا تختصرها الصورة الظاهرة، بل تتجاوزها إلى انكسار العلاقة بين الجهد والنتيجة، يعملون ولا يرون ثمرة واضحة، يتعبون دون أن يتقدموا خطوة حقيقية، يلتزمون بالقواعد دون أن يُكافأ التزامهم، ومع الوقت، يتسلل الإحساس الأخطر: أن هذا البلد لا يكافئ أبناءه، وأن الاجتهاد ليس طريقاً مضموناً للكرامة.

تشعر الشابات بهذا الانكسار بوجه مضاعف، فإلى جانب القلق الاقتصادي، يواجهن هشاشة الحماية، وسقفاً اجتماعياً متردداً، وتوقعات متناقضة: أن يكنّ قويات دون ضجيج، فاعلات دون تجاوز الحدود الوهمية المرسومة، حاضرات في الحياة، وغائبات عن القرار، وهو تناقض يرهق النفس بقدر ما يرهق الجسد.

كثير من الشباب، شباناً وشابات، يشعرون أنهم خرجوا من الحرب نعم، ولكن أين دورنا؟

لم يكونوا جزءاً من القرار، ولا من إعادة الترتيب، ولا من المشهد الجديد الذي يتشكّل ببطء فوق رؤوسهم، يسمعون خطاباً عاماً عن "المستقبل"، لكنهم لا يرون لأنفسهم مكاناً فيه، فيتحول المستقبل إلى فكرة مجردة، لا إلى مسار ملموس.

تتآكل الثقة أيضاً باللغة، لغة الشعارات استُهلكت، والكلمات الكبيرة لم تعد تقنع، لا يريد الشاب اليوم أن يُقال له "اصبر"، ولا أن يُطلب منه التضحية مرة أخرى، ولا أن يُحمَّل عبء المرحلة باسم الوطن، لقد ضحّى بما يكفي، وغالباً دون أن يُستشار، ودون أن يُسأل إن كان قادراً على الاستمرار، "ضحّى بطفولة ضاعت".

ثم يأتي سؤال الكرامة، وهو السؤال الأشد إيلاماً: أن تعمل في وظيفة لا تشبهك، أو بلا عقد، أو بأجر لا يكفي أسبوعاً، فقط لأن البديل هو الفراغ، أن تقبل ظلماً صغيراً كل يوم كي لا تواجه ظلماً أكبر، أن تتعلّم الصمت لا لأنه خيارك، بل لأنه وسيلة العيش.
الخطر الحقيقي ليس في غضب الشباب، بل في تعبهم.

فالغضب يمكن توجيهه، أما التعب فيقود إلى اللامبالاة، واللامبالاة أخطر على المجتمعات من أي صراع مفتوح، لأنها تُفرغها من طاقتها.

إن الحديث عن تمكين الشباب لا يمكن أن يُختزل في ورشات تدريب أو خطابات تحفيزية، التمكين الحقيقي يبدأ حين يشعر الشاب والشابة أن صوتهما مسموع لا مُدار، وأن جهدهما محسوب لا مُستنزف، وأن الخطأ قابل للتصحيح لا للعقاب الفوري، وأن لهما مكاناً في الحاضر لا وعداً مؤجلاً في مستقبل غامض.

ومع وجود هذا الثقل كله، فلا يمكن إنكار وجود نقاط ضوء: فهناك شباب ما زالوا يبتكرون رغم القلة، ويبادرون رغم الإحباط، ويبنون مبادرات صغيرة، ومشاريع متواضعة، ومساحات أمل محلية.
وهناك شابات اخترن الاستمرار، والعمل، وتعلّم مهارات جديدة، وفرضَ وجودهن بهدوء وثبات.

هذه الإيجابيات، وإن كانت محدودة، تشير إلى حقيقة أساسية: أن هذا الجيل لم ينكسر، بل تعب ولم يُهزم، وأنَّ إعادة بناء سوريا لن تبدأ من الحجر فقط، بل من إعادة بناء العلاقة بين هذا الجيل وبلده: علاقة ثقة لا علاقة استنزاف، علاقة شراكة لا علاقة انتظار، علاقةٌ تعترف بأن الشبان والشابات ليسوا عبئاً مؤجلاً، بل فرصاً حاضرة.

وإلى أن تُبنى هذه العلاقة على أسس عادلة، سيبقى السؤال معلقاً في أذهان كثيرين: هل نبقى ونحاول؟ أم نغادر وننجو؟ والسؤال الأخطر: إذا كنت في الخارج هل أعود؟؟ وهذه الأسئلة، ليست أسئلةً فرديةً، بل إنذارٌ جماعيٌّ يعبر عن عمق الأزمة، وعن حجم ما قد نخسره إن لم ننتبه الآن.

نزار الطويل - زمان الوصل
(9)    هل أعجبتك المقالة (9)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي