أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"ابشري حوران".. من معركة الكرامة إلى معركة البناء

حوران، يا أرض المجد والعز، يا سيدة السهول والجراح، يا أمّ اليتامى التي لم تَنحنِ لعاصفة، ولم تَنكسر لريح، أبشري... فإن نداءكِ ما زال فينا حيًّا، يجلجل في صدور الرجال ويوقظ في النفوس ثورة لا تهدأ.

"أبشري حوران".. ليست مجرد عبارة، بل عقيدة فزعة زرعها الآباء في قلوب الأبناء، ووشمًا نقشته البنادق على جدران الزمن. هي الكلمة التي ما إن صدحت في الحادي عشر من آذار المجيد، حتى انتفض الأحرار من كل قرية ومدينة، وزحفوا نحو درعا البلد كسيل عرمرم لا يعرف الخوف، يغنون الجوفية والهجيني التي التصقت معانيها بفعال أهلها. لم يكونوا طلاب خبزٍ أو مصلحة، ولا مأجورين بمال، بل متسربلين بنداء الكرامة، ومشدودين بحبال العز التي غُزلت مع عِرْق الشموخ الحوراني وعرجة الآباء.

يومها لم تكن المعركة مع الحديد والنار فحسب، بل كانت معركة الوجود، معركة الكرامة، معركة الثورة... ثورة الإنسان الذي أبى أن يُهان، فوقف في وجه الظلم وقفة لا ينساها التاريخ.

واليوم، يا أمّ الأحرار، يتجدد النداء، ولكن في مدرج بصرى، حيث صدحت الأصوات لا تطلب الثأر، بل تطلب البناء. ها هم أبناء حوران، رغم الفقر وضيق الحال، يتسابقون إلى البذل، إلى العطاء، إلى الترميم... ليس فقط لجدران مهدّمة ومدارس تحطمت فوق روادها، بل لقلوبٍ كُسرت، ولأحلامٍ هجّرتها الحرب، ولمجتمعٍ يحاول أن ينهض من بين الركام.

في الأمس لبّوا النداء بدمائهم، واليوم يلبّونه بأموالهم وعرقهم وصبرهم. إنها ليست مرحلة سلام فقط، بل مرحلة صمود جديدة، من نوع آخر، عنوانها "سنبني كما ثُرنا... لا نطلب جزاءً ولا شكورًا".

وما بين الحادي عشر من آذار ومدرج بصرى، سيرة وطن تُكتب بدماء الشهداء وعرق الكادحين. حوران لا تموت، لأنها كلما انكسرت، قامت من جديد، وكلما ضاقت، وسِعَت بأهلها وعزتهم.

فأبشري يا حوران، فشعبك الوفي لا يبدّله الزمان، لا تغريه الدنيا، ولا تثنيه الشدائد. أبشري، فإن الثورة التي أنجبتها، ها هي تتحول اليوم إلى نهضة، إلى سواعد تُشيد، وأفئدة تُؤمن، وقلوب تَنبض بالرجاء والبذل.

فأبشري حوران وأبشري سوريا.

محمد رافع أبوحوى - زمان الوصل
(16)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي