أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

كل حقبة لون... وألوان صيدنايا دم واحد

سجن صيدنايا - أ ف ب

مجرد ذكر اسم صيدنايا، فلن يخطر لك القرية الجميلة، وإنما تلك الآلة العملاقة في القتل. ستتوالى صور التعذيب والآلام التي عاناها معتقلو ذلك السجن فورًا. ولكن هل كان صيدنايا هو نفسه خلال سنوات الثورة؟ أم أن ما حدث هناك كان خطة كاملة الأركان للإبادة والطمس دون أثر؟

كوني أحد المعتقلين الآلاف فيه والناجين القلائل — الذين لم يتجاوز عددهم، حسب آخر الإحصاءات، 5400 ناجٍ، بينهم 1500 فقط يوم التحرير، من بين ما يقارب 100 ألف من دخلوا ذلك الثقب الأسود بين عامي 2011 و2024 — أكتب هذه السطور.

سمحت لي شبكتي الكبيرة من الناجين بمقاطعة القصص عبر طوابق السجن وتواريخ التواجد، وبدراسة وضع صيدنايا خلال فترة الثورة، وتكوين صورة أوضح عن تلك المرحلة التي اختلفت كثيرًا خلال سنوات الثورة. وهذا ما يفسر تضارب أقوال الناجين أحيانًا، وحتى تشكيك بعضهم بروايات بعض آخر. ومن هنا، قررت أن أكتب هذه المقالة بمساعدة عدد من إخوتي الناجين.

بداية للتوضيح
رغم أني لم أقضِ إلا سنتين وثمانية أشهر بين 2012 و2014، إلا أن معلوماتي تستند إلى ناجين منذ 2011 وحتى 2025 يوم التحرير.

في بعض المعلومات، اعتمدت على سخرة السجن (وهم سجناء عسكريون قضائيون موقوفون في السجن الأبيض، ويتم جلبهم للقيام بأعمال السخرة).

هناك بعض الاستنتاجات ناتجة عن تقاطع عدد كبير من المعلومات، وستظهر الأيام — إن شاء الله — إن كانت صحيحة أم لا.

صيدنايا ما قبل الثورة
كان السجن الذي أُنشئ بين عامي 1978-1987 بنسختين متشابهتين، الثانية هي سجن "حلب المركزي"، سجنًا للسياسيين. استخدمه نظام الأب مكانًا لسجن معارضيه من كل الأطياف والتوجهات، حيث جُمِع فيه: إسلاميون، علمانيون، عسكريون، جواسيس، تنظيمات وجماعات، وحتى مهربو الآثار. وكان السجن مقارنةً بسجن تدمر العسكري (المخصص للسياسيين) يُعتبر مكانًا ترفيهيًا وسجنًا أمنيًا من الدرجة الأولى.

كان يُجلَب المعارضون الناجون من سجن تدمر إلى صيدنايا لفترات "تأهيل" قبل الإفراج عنهم. لكن الاستعصاءات استمرت على فترات متقطعة اعتراضًا على سياسات القسوة المتبعة. وكان أكبرها في عام 2008، وبعده تحول السجن إلى الشكل الذي عرفناه نحن، جماعة 2011:
- إزالة الأَسِرّة واستبدالها بالبطانيات العسكرية على الأرض.
- إزالة كل مظاهر الحياة المدنية.
- إغلاق كل ورش الأعمال اليدوية، ومنها النجارة التي كانت تتبع للسجن ويعمل فيها السجناء، وتُباع منتجاتهم لصالح إدارة السجن.

بداية الثورة
بتاريخ 21.04.2011، تم صوريًا إلغاء حالة الطوارئ في سوريا ومعه إلغاء محكمة أمن الدولة، وبالتالي لا بد من بديل يملأ هذا الفراغ الديكتاتوري، فكان ذلك بالمحكمة الميدانية التي تضم معتقلين عسكريين ومدنيين. وهي محكمة ظنية لا يُعيَّن فيها محامٍ، وليس هناك إلا جلسة واحدة (شكلية)، وأحكامها تراوحت من 5 سنوات (في حالات نادرة) وحتى الإعدام في أغلب الحالات.

"معتقلو المحكمة الميدانية يتم توقيفهم حصرًا في صيدنايا الأحمر، مع بعض الإيداعات لصالح المحكمة في السجون المدنية قبل الحكم".

بتاريخ 31.05.2011، تم إصدار عفو عن المعتقلين السياسيين، بما فيهم معتقلو صيدنايا ما قبل الثورة، حيث جرى الإفراج عن عدد من المعتقلين.

ومن تبقى منهم نُقِل إلى عدة أماكن: منهم إلى الأفرع الأمنية في منفردات منعزلة (تحديدًا القياديون والأجانب غير السوريين)، ومنهم إلى السجون المدنية. وتم إجراء صيانة للسجن للتأكد من جاهزيته للوظيفة القادمة.

دخل أول معتقلي الثورة إلى سجن صيدنايا مُحوَّلًا من المحكمة الميدانية — بحسب علمنا — في شهر أيلول 2011.

بتاريخ 26.07.2012، تم إحداث محكمة الإرهاب التي تضم معتقلين عسكريين ومدنيين، وتشبه المحاكم العادية من حيث إجراءاتها، ويحق للمعتقل توكيل محامٍ، وبالتالي تخضع للابتزاز والرشوة.

"معتقلو محكمة الإرهاب حتى عام 2017 يتم توقيفهم في كل السجون عدا سجن صيدنايا الأحمر".

الحقبة الأولى (2011 – 11/2012)
نسميها في صيدنايا "حقبة طلعت محفوض"، وهو رئيس السجن العسكري، عُرِف بانضباطه الشديد وقدرته على التحكم بالسجن، وكان له دور في فض استعصاء 2008.

تميزت هذه الفترة بما يلي:
- الطعام: متنوع ولكنه لا يُشعر بالشبع، بكميات مدروسة.
- النظافة: كانت هناك مواد تنظيف (دواء غسيل ملابس، شامبو، صابون، وحتى معجون أسنان).
- التعذيب: كان هناك روتين مدروس: استقبال وحشي يليه فترة ترويض في المنفردات، ومن ثم فترة ترويض في المهاجع. وبعدها كان التعذيب مرتبطًا بالتصعيد خارج السجن. لم تكن هناك وفيات تحت التعذيب، وكان الضرب مدروسًا في مناطق محددة قد يؤدي في أسوأ الأحوال إلى الكسر.
- الإعدامات: وتيرة الإعدامات في بداياتها كانت "جنزيرًا" واحدًا (50 - 100 معتقل) في الشهر الواحد.
- الأمراض: لم تكن هناك أمراض خطيرة منتشرة، وكان يُقدَّم دواء التهاب في بعض الحالات، وأصحاب الأمراض المزمنة قد يتلقون أحيانًا أدويتهم.

انتهت هذه المرحلة بأول وفاة بحالة إسهال شديد، وتبعتها خلال أيام متلاحقة وفيات كثيرة بالسبب نفسه (11/2012).

الخلاصة: إن هذه المرحلة كانت مرهونة بالواقع السياسي خارج صيدنايا، فالكفة لم تكن واضحة، وكانت التصرفات حذرة وفيها نوع من الانضباط.

الحقبة الثانية – بداية الموت (11/2012 – 5/2013)
- بدأت أعداد الوفيات بالمرض تزداد، وأشيعها الإسهال الشديد، حيث يتوفى المريض بين يومين وأربعة أيام.
- تغيّرت طرق التعذيب لتشمل ضربات مباشرة على الرأس والظهر.
- ارتفعت وتيرة الإعدامات إلى "جنزيرين" شهريًا.
- كمية الطعام بدأت تنخفض، وأحيانًا بلا خبز، واقتصرت على بعض الأنواع (برغل، بطاطا، زيتون).
الحقبة الثالثة – الدموية (5/2013 – 01/2017)
- بدأت المرحلة بمقتل طلعت محفوض. وتغيّر الواقع في الخارج، وما فُهِم أنه الضوء الأخضر دوليًا بعد مجزرة الكيماوي وتدخل روسيا لصالح النظام، مما أكسب النظام وأتباعه ثقة مطلقة أن الكفة رجحت لهم. وبدأ بذلك فصل الدم والعمل المنظم لإنهاء التمرد بإبادة كل المعتقلين.

كانت الفروع الأمنية حتى ذلك الوقت مكتظة بأعداد تفوق طاقتها، فحوّلت كل الصالات والمستودعات التابعة للأفرع الأمنية إلى مراكز اعتقال مكتظة بأرقام يصعب استيعابها. قضى الكثير من المعتقلين أكثر من سنة وسنتين أحيانًا في الفروع الأمنية كإيداع لصالح المحكمة الميدانية.

في صيدنايا، بلغت الأعداد ذروتها بـ 36 - 40 معتقلًا في المهجع الواحد بعد أن كانوا 20-22 في المرحلة السابقة.

مع الانتقال لهذه المرحلة، بدأت عجلة الموت بالتسارع حتى في المحطات ما قبل وصول صيدنايا:
- بدءًا من لحظة الاعتقال بالتصفية على الحواجز.
- ومن ثم في الأفرع الأمنية تحت التعذيب أو بالأمراض، وحتى تسميم الطعام كما حدث في فرع 215 الذي أنهى حياة 200 معتقل فورًا في يوم واحد.
- في فرع الشرطة العسكرية (القابون) الذي كان مركزًا للتحويل باتجاه صيدنايا.
- وحتى في المشافي.

حتى الوصول إلى صيدنايا كمحطة أخيرة لكل معتقل للمحكمة الميدانية، فكان لا بد من خطة محكمة للتخلص من كل هذا العدد المتبقي كالتالي:
- الطعام: تقليله لأدنى مستوى ممكن، مقتصرًا على الفتات، مُتعمِّدين سكبه علينا أو على الأرض والدعس عليه، مما أدى لتفاقم المرض وحتى بدأ المعتقلون بتصفية بعضهم البعض من أجل مكافأة برغيف خبز.
- الأمراض: النظافة كانت الأسوأ، بلا مواد تنظيف. كنا نستحم ونغسل ثيابنا بالماء وحده في نفس الوعاء الذي نأكل فيه. الطبابة كانت معدومة، وتحول دور أطباء السجن إلى المشاركة في عملية التصفية داخل المهجع أو تبرير التصفيات لبقية العناصر بأسباب وفاة كاذبة (زحط في الحمام، توقف قلب مفاجئ)، أو بالتحويل إلى مشفى تشرين ليتم تصفيته في نظارة المشفى (ولدي شهادة صادمة عن تفاصيل الموضوع أذكرها لاحقًا). كل ما سبق أدى لتفاقم أمراض معدية وقاتلة بسرعة جنونية، تنوعت من القوباء الجلدية إلى التهاب الكبد والسل والفشل الكلوي والحمَّى. وجميعها انتهت بالوفاة.
- التعذيب: الأشد، بدءًا بقطع الماء لـ 20 يومًا أو أكثر، إلى الضرب بأدوات معدنية بشكل مدروس وقاتل، بالإضافة للقتل المباشر بكسر الرقبة أو الخنق أو تكسير القفص الصدري، بشكل يومي دون أي سبب أو كعقوبات على الصلاة أو الصيام أو الشك بالنظر للسجان، وحتى أثناء الزيارات.
- الإعدامات: ارتفعت وتيرتها إلى "جنزير" أسبوعيًا، وخلال 2014 إلى ثلاثة "جنازير" أسبوعيًا (الاثنين، الثلاثاء، الأربعاء بعد العصر)، بمعدل 100 إلى 200 معتقل في "الجنزير" الواحد، بدون مبالغة.
- السجناء السفاحون: هم سجناء اعتقلهم النظام لتلميع صورته في المراحل السابقة من مرتكبي المجازر من قوات الدفاع الوطني والعصابات التابعة للنظام ممن لم يستطع السيطرة عليهم. فأوجد لهم دورًا في هذه المرحلة، ألا وهو إدخالهم بشكل فِرَق من اثنين أو ثلاثة متمتعين بصحة جيدة إلى مهاجع المعتقلين المنهكين جوعًا، والإيعاز لهم بتصفيتهم داخل الزنزانة. بحيث يُنهي الفريق مهمته خلال شهر واحد ومن ثم ينتقل إلى مهجع آخر. ومعلومتي أكيدة أن جميع هؤلاء خرجوا أحياء بإخلاءات سبيل بعد أداء مهامهم، ولدينا أسماء كثيرين منهم.
ترافقت هذه الوتيرة العالية من التصفيات بكل الطرق السابقة مع جلب دفعات كبيرة ممن بقوا أحياء من الأفرع الأمنية والسجون المدنية (الموقوفين كإيداع للمحكمة الميدانية) للتخلص منهم في ذلك الثقب الأسود. المرحلة المذكورة كانت الأشد فتكًا، ولا أبالغ إن قلت إن 90% من شهدائنا في المعتقل قضوا في هذه المرحلة.

المرحلة الرابعة – إخفاء الجريمة (2017 – 2024)
مع قرب الانتهاء من عملية الإبادة وتفريغ السجن والأفرع الأمنية، ومع بدء الوضع العام الخارجي بالهدوء النسبي، انتقل النظام إلى مرحلة إعادة تنظيم السجون، والأهم طمس المرحلة السابقة تمامًا، بالشكل التالي:
- ملء الفراغ الناتج عن إبادة معتقلي المحكمة الميدانية بنقل معتقلي "محكمة الإرهاب" من كافة السجون (صيدنايا الأبيض، السجون المدنية، البالونة العسكري) نحو صيدنايا الأحمر.
- حصر من تبقى من موقوفي المحكمة الميدانية في طابق واحد، ومن ثم في جناح واحد عام 2019.
- إلغاء المحكمة الميدانية بالكامل عام 2023.
طبعًا اختلفت قليلًا معاملة موقوفي محكمة الإرهاب عن سابقيهم في المحكمة الميدانية بما يشبه التعامل في المرحلة الأولى (الحذر والانضباط النسبي).
- الطعام: بتحسن نوعًا ما مع السماح لموقوفي محكمة الإرهاب بالندوة الشهرية (وهي فاتورة مواد غذائية مقابل المال)، ولاحقًا سُمح لمحكومي المحكمة الميدانية بالندوة.
- وتيرة التصفيات: داخل المهجع بأقل مستوى، خصوصًا مع بدء عمل الكاميرات داخل المهاجع (التي تم تركيبها عام 2014 وتشغيلها في هذه المرحلة).
- الأمراض: موجودة مع محاولات للعلاج شكلية بحيث كانت هي الطريقة الأمثل لاستكمال عملية القتل بدون شبهات.
- الإعدامات: انخفضت إلى "جنزير" كل شهر أو شهرين.

خلاصة
صيدنايا بالمجمل هو ذلك الثقب الأسود الذي ابتلع الآلاف في كل مراحله. لم يكن بالنسبة للمعتقلين مكانًا جيدًا في أي من مراحله. كان حلم المعتقل ليس الإفراج بل الموت السريع بأبسط الطرق، أو في أحسن الأمنيات النقل إلى سجن آخر.

هناك روايات وقصص ستُحكى ولم تنتهِ، وآلام ستُروى دون مفاضلة بين إحداها والأخرى. وستسمع بين حين وآخر تناقضات في الروايات، وصرت تعرف سببها الآن. أما بعض المبالغات في الرواية كحفرة الأسيد والمكبس، فليس عندي ما يؤكدها، إلا أني أتفهم راويها وأسبابه بلفت النظر لقضية لا تحتاج إلا لبعض الحقيقة والوقت ليتضح عظمها.

بالنهاية، اجتهدت أنا وإخوتي المعتقلين لتصل الصورة بأقرب ما يمكن للحقيقة، مبتعدين عن أي مبالغة أو ظن ضعيف، دون الدخول في كل التفاصيل حاليًا لأنها تحتاج إلى مجلدات ستُروى لاحقًا دون كلل.

في النهاية، أرجو قراءة ما سبق بتمعّن وفهم مجرياته، لتتأكد أن ما حدث ليس تصرفات فردية ضمن فوضى لقمع الثورات، بل خطة عمل وانضباط في التنفيذ ووصول للهدف.

والأهم أن تكون شاهدًا آخر على ما حصل هناك؛ شاهدًا ليس فقط على الألم والعذاب، بل أيضًا على تلك العملية القذرة في الإبادة، ومحاولة طمس معالمها بالتشكيك في روايات الناجين، وحتى الطعن في حقيقة اعتقالهم.

لا تتألم على الشهداء، فالخيانة تبدأ بهجران قصصهم بحجة الألم، بل أعد إحياء ذكراهم.

د. سلطان جمال سلطان - زمان الوصل
(73)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي