أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الأفكار المادية عند المعتزلة

نجوم و فنون | 2010-10-26 00:00:00
مازن كم الماز - الجمل
ينقل ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية في كتابه الروح عن فرقة من المسلمين ترى أن النفس عرض من أعراض البدن كحياته و إدراكه , فتعدم بموت البدن كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته , و تستنتج هذه الفرقة أن مستقر الأرواح بعد الموت هو العدم المحض ( الروح لابن قيم , إصدار المكتبة العصرية - لبنان , طبعة عام 2007 , ص 117 ) . فيما بعد , في تفصيل هذه الفرقة يذكر ابن قيم أن هذا المذهب في الروح هو مذهب ابن الباقلاني الأشعري و العلاف المعتزلي , و ينقل عن أكثر الأشاعرة أن العرض لا يبقى زمانين ( و الروح عرض للجسم عند ابن الباقلاني ) أي أن روح الإنسان الآن هي غير روحه قبل , أي "لا ينفك يحدث له روح ثم تغير ثم روح ثم تغير هكذا أبدا ( و هي فكرة أقرب إلى التغير الدائم لديمقريطيس - الكاتب ) .. فإذا مات فلا روح تصعد إلى السماء و تعود إلى القبر و تقبضها الملائكة .. و لا تنعم و لا تعذب , و إنما ينعم و يعذب الجسد .. و إلا فلا أرواح قائمة بنفسها البتة"( المصدر السابق , ص 138 ) . هذا التصور عن الروح ليس فقط تصورا ماديا بل و متطور جدا بالقياس إلى العصر الذي قيل فيه . كان هذا إحدى نتائج الفعل الفكري الحر و حتى المتمرد , العقلاني أساسا , للمعتزلة .

من المؤكد أن المعتزلة لم يكونوا أول فرقة عقلانية في الإسلام , فقد سبقها مثلا القدريون و حتى الجبريون ( خاصة جهم بن صفوان ) , بمعنى أنها لم تكن فرق سياسية المنشأ و المحتوى كالشيعة و الخوارج مثلا , لكن من المؤكد أنهم كانوا أبرز هذه الفرق العقلانية و أنهم كانوا أيضا الأكثر تطورا , أحيانا حتى بالمقارنة مثلا بالفلاسفة المشائين الذين ظهروا في وقت لاحق . لقد استوعب المعتزلة عمليا ذلك الحراك العميق الفكري و السياسي و الاجتماعي الذي أطلق له العنان في الفترة العباسية الأولى مستفيدين من غياب إيديولوجيا رسمية للسلطة , حتى بدأ هذا الحراك بالتراجع مع خلافة المتوكل , التي شهدت حدثين هامين , انقلابه على المعتزلة و تسلط أمراء الجند الأتراك على الخلافة , الأمر الذي أدى إلى القضاء تدريجيا على هذا الحراك بمعناه الواسع المجتمعي رغم أن قصور السلاطين و الأمراء , و الخلفاء في بعض الأحيان , قد بقيت ملاجئ "معزولة" لإنتاج الفكر العقلاني الذي أصبح تدريجيا أقرب لحالة ترف عقلي منه لعامل حراك اجتماعي جدي . بالعودة إلى الروح , سنجد هنا مذهب بعض المعتزلة , و المتأثرين بهم من الأشاعرة , يحمل موقفا ماديا صريحا من الروح , أو الوعي الإنساني و الكوني عموما , بشكل متطور أكثر بكثير من الفلاسفة المسلمين أنفسهم . كان الأصم المعتزلي كما ينقل ابن قيم "لا يثبت للحياة و الروح غير الجسد" ( المصدر السابق , ص 210 ) و يضيف عنه أن "النفس هي هذا البدن بعينه لا غير" ( ص 210 ) , هذا مثلا في مقابل رؤية الفلاسفة المسلمين الذين جردوا الروح عن المادة تجريدا كاملا و جعلوها فكرة عقلية بالغة التجريد ( الأمر الذي خلق نزاعا حادا بينهم و بين الفقهاء فيم يتعلق بحشر الأجساد مثلا الذي أنكره الفلاسفة بالنتيجة ) . صحيح أن بعض المعتزلة , كالجبائي و حتى شخصيات مرموقة في الاعتزال كالعلاف و النظام , قد وقفوا موقفا مثاليا صريحا من هذه المسألة , و هذا إن دل على شيء فإنه يدل على عدم التجانس الكبير في صفوف المعتزلة . يجب ألا ننسى أنه كان هناك تفاوت في درجة تبني العقلانية بين المعتزلة أنفسهم , و أنه من بين صفوفهم خرجت شخصية عقلانية "متطرفة" مثل ابن الراوندي في مقابل شخصيات أكثر اعتدالا في عقلانيتها . و سيجري مثل هذا الجدال أيضا فيم يتعلق بالله و المادة الكونية أو العالم أيضا لكن بين الفقهاء المحدثين و بين الفلاسفة و من معهم . ففي مقابل إله الفلاسفة العقلي و المجرد , سنجد ابن حنبل و تلامذته يدافعون عن إله ذي وجود مادي تقريبا ( و لهذا قال ابن رشد أن خصومه من الفقهاء و المتكلمين قد "جعلوا الإله إنسانا أزليا" ( تهافت التهافت , المكتبة العصرية , بيروت , ط عام 2003 , ص 24 ) . هذا هو جوهر السجال حول صفات الله و حول اتصافه بالمكانية ( أو ما تسميه كتب التراث بالتحيز ) و صفات الوجود المادي الأخرى ( أو ما تسميه كتب التراث بالجسمية ) , كالاستواء على العرش و اليد و الكلام و قابلية الرؤية , الخ ( لهذا الصراع أبعاد مختلفة منها ما يتعلق بدور المؤسسة الدينية في المجتمع مثلا , الذي كان سيصبح هامشيا إن لم يكن ملغى في حال انتصار الجبرية الجهمية أو الجبرية الصوفية القائمة على وحدة الوجود مثلا , و هذا الذي أدركه أيضا ابن تيمية و تلميذه ابن القيم و حاربوه بشدة , طالما كان الإنسان وفق الجبرية الجهمية منفعل فقط أمام القدر الإلهي الفاعل الوحيد و طالما أن الإنسان , كما أي شيء في الوجود , ليس إلا صورة للإله نفسه , كما قال المتصوفة . إن الطريقة الوحيدة لاحتفاظ المؤسسة الدينية بدورها في قيادة الوعي الجمعي , عن طريق حقها في مراقبته و محاكمته , هو في أن يبقى الإنسان مسؤولا عن أفعاله أمام محكمة المؤسسة الدينية كممثل للإله . لقد أنكرت الجبرية الجهمية المسؤولية "الجنائية" للإنسان أمام محكمة المؤسسة الدينية و قصرتها على معرفة الإله بينما دمرت الصوفية القائمة على وحدة الوجود الفاصل بين الحاكم و المحكوم على المستوى الكوني , أي بين الإله و الإنسان , هذا مع رفض هذه المؤسسة القاطع للحل المعتزلي - القدري لهذه المعضلة بإعلان الإنسان هو الخالق لأفعاله , كان هذا في المحصلة الأخيرة سيقلب علاقة الإله بالإنسان الشكل الذي تصر عليه المؤسسة الدينية . أما إله المعتزلة الخير المطلق , و الذي جعله بعض المعتزلة غير قادر حتى على الظلم , و العقلاني المحض المنزه عن المادة تماما , فإنه لم يؤد إلى إلغاء المؤسسة الدينية , بل إلى استبدال المؤسسة الدينية القائمة ذات الخطاب النصي بمشروع مؤسسة دينية - إيديولوجية جديدة تتألف من بعض أئمة المعتزلة , كي لا نظلمهم جميعا , و بخطابهم العقلاني , إذ أقام هؤلاء محكمة أشبه بمحكمة تفتيش , للفقهاء أنفسهم هذه المرة , و تحظى كما في السابق بعطف السلطة و تضرب بسيفها ) .

لقد أدرك أبو حامد الغزالي , و هو يقارع الفلاسفة , خطورة قولهم بقدم العالم , الذي أخذوه عن أرسطو , و هو لذلك يتهم الفلاسفة بأنهم في الواقع دهريون ينفون الصانع إذ يقولون بقدم العالم , "من لا يعتقد بحدوث الأجسام فلا أصل لاعتقاده بوجود الصانع" ( المصدر السابق , ص 15 ) , و لو أن هذا الرأي الأرسطي جاء في المقام الأول ليحل إشكالية الخلق بواسطة الإله و في محاولة لعقلنة صورة الإله و تنزيهه عن الحوادث الأمر الذي كان سيجعله غير معقول ( كإله ) وفق قوانين العقل , الأمر الذي كان يتطلب إما تجاهل قوانين واشتراطات العقل هذه أو تعديل صورة الإله نفسها . ابن تيمية أيضا فهم خطورة هذا الطرح الفلسفي , إن قدم العالم أو المادة الكونية يعني أن "لا يكون الله خلق شيئا من شيء , لأن المادة عندهم لم تخلق , أما المتفلسفة فعندهم المادة قديمة أزلية باقية بعينها" ( النبوات لابن تيمية , دار الكتاب العربي , لبنان , ط 2005 , ص 59 ) . و هكذا يصبح الخلق الإلهي تغييرا لصورة المادة فقط , ف"هم يقولون أن الجواهر لا تفنى بل تنتقل من حال إلى حال . و كثير منهم يقولوا أنها مستغنية عن الرب بعد أن خلقها" ( المصدر السابق , ص 55 ) , إن إله أرسطو هنا هو أشبه بإله ديكارت المسؤول عن إطلاق زنبرك الساعة الكونية التي ستتحرك بشكل مستقل بعد ذلك في روتين ذاتي لا يختل , رغم أن عالم أرسطو كان يريد أن يتخلص من المادة ليعود إلى حالة روحانية خالصة بينما كان عالم ديكارت عالما ماديا ( فيزيائيا ) خالصا أما الروح , إن وجدت فيه , فقد كانت ضرورية فقط في لحظة ولادته أو بداية حركته الذاتية . يجب ألا نتصور أن المؤسسة الدينية من خلال منظريها المتأخرين قد أنكرت فكرة قدم العالم أو المادة كما فعل متقدميهم كأبي حامد الغزالي مثلا , الذي اعتبر أن الفلاسفة المسلمين هم خارج الملة لقولهم بهذا , فابن تيمية مثلا الذي حاول إعادة اللحمة بين المجتمع الإسلامي و المؤسسة الدينية الإسلامية في فترة أخذ فيها الشك بشرعية المؤسسة الدينية و خطابها الرسمي شكلا لاعقلانيا , صوفيا , و شعبويا , لا نخبويا , بسبب المجازر و الهزائم المتتالية على يد المغول و التتار و من قبلهم الصليبيين , على عكس الشك , و النقد , العقلاني الذي واجهته في الماضي . كان على ابن تيمية أن يستخدم شيئا من الخطابات العقلانية السابقة المعارضة للخطاب الرسمي للمؤسسة الدينية , و الذي سهل مهمته أن معظم هذه الخطابات كانت قد زالت أو ضعفت بما في ذلك الباطنية بما لا يشكل خطرا على السلطة السياسية السائدة ولا على خطاب المؤسسة الدينية الرسمي . في قضية الخلق مثلا يقول ابن تيمية أن "حقيقة أصل أهل الكلام المتبعين للجهمية أنه لا يحدث شيء و لا يفني شيء , بل يحدث كل شيء بنفسه و يفنى بنفسه" ( المصدر السابق , ص 61 ) , أما الأصل عنده أن "الخلق يشهدون إحداث الله لما يحدثه و إفناء لما يفنيه , كالمني الذي استحال و تلاشى و أحدث منه هذا الإنسان .. فهو سبحانه دائما يحدث ما يحدثه و يكونه , و يفني ما يفنيه و يعدمه . و الإنسان إذا مات و صار ترابا فني و عدم .. ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداء من التراب و يخلقه خلقا جديدا .. وهذا هو القدرة التي تبهر العقول و هو أن يقلب حقائق الموجودات فيحيل الأول و يفنيه و يلاشيه و يحدث شيئا آخر .. و خلق الشيء من غير جنسه أبلغ في قدرة القادر سبحانه و تعالى" ( ص 61 - 63 ) , يدل هذا الكلام على ابن تيمية قد قبل ضمنا بفكرة قدم المادة رغم أنه ينفي أن تغير المادة من حال إلى حال هو صفة ذاتية فيها , بل أن هذا التغير يكون بأمر الإله , هذا لا يغير حقيقة قبوله ضمنا بأزلية المادة . كان ابن تيمية بحاجة إلى "تلفيق" "حلول" جديدة لذات المعضلات القديمة , مثلا سنجده يعيد الاعتبار للسببية التي كان نفيها جزءا أساسيا من محاربة الأشعري للمعتزلة و من بعده محاولة الغزالي نقد الفلسفة في رفضهم لأي تقييد لحرية الإله المطلقة في الفعل , و سيحاول أن "يخلق" وسطا جديدا , ففي مسألة القضاء و القدر كان جبريا في الحقيقة رغم أنه كان عليه أن يواجه الجبرية الجديدة للمتصوفة , لهذا كان عليه أن "يخلق" مخرجا "جديدا" جبريا في الجوهر , قدريا في الشكل . كان ابن تيمية مضطرا لاستخدام ما يحتاجه من عقلانية لخدمة النص المقدس و لخدمة خطاب المؤسسة الدينية , دون أن يصبح هو نفسه عقلانيا , بل دون أن يكف في الواقع عن مناهضته للعقل . يبقى أن نذكر هنا أن هذا الجدال الفكري لم يكن ذا دلالة سياسية أو اجتماعية مباشرة و سهلة التفسير , مثلا اختلف المعتزلة بشكل هائل في مواقفهم السياسية ( أي من السلطة القائمة و من فرق المعارضة "السياسية" , سواء فيم يتعلق بشرعية السلطة القائمة أو بالموقف من واقعة الفتنة في التاريخ الإسلامي الأول ) , رغم أنهم عموما , خاصة في المرحلة الأولى من وجودهم و تطورهم , كانوا ينتقدون بحرية و دون تردد ممارسات الصحابة جميعا في تلك الفتنة , حتى أن واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة قد اعتبر أن طرفا من طرفي الفتنة مخطئ دون أن يستطيع تحديده و لذلك قضى برفض شهادة أي من المنخرطين في الفتنة , و كان من بينهم أيضا من قال بأحقية الإمام علي في الخلافة كالنظام ( الذي ينسب إلى الرفض ) و منهم أيضا من أنكر ضرورة قيام سلطة مركزية أساسا ( الأصم و الفوطي ) و أنه بمقدور الجماعة أن تقوم بالشرع دون وجود مثل هذه السلطة أصلا , و في حال ضرورتها قبولهم مبدأ الخوارج ( الذي يوصف أحيانا بالجمهوري ) بجواز أن يكون أي مسلم إماما وبشرط الخوارج أيضا و هو إجماع الأمة عليه و قيامه بالعدل . أكثر من ذلك , و رغم التباين , و حتى الخلاف , الشديد بين ابن رشد و الغزالي , سنجدهما يتفقان على قضية خطيرة , و هي أن النظر العقلي يجب ألا يكون متاحا أو مسموحا للعامة , و أن الشرائع و التلقين و الوعد و الوعيد ضروري لمعاشهم . و يجب أن نذكر أخيرا أن المؤسسة الدينية نفسها قد قامت في مراحل انتقالية عدة بدور هام في ملء أي فراغ سلطوي في رأس الهرم السياسي و الاجتماعي أو في معارضة هذه السلطة أحيانا , رغم أنها على العموم كانت إلى جانب السلطة السياسية و الاجتماعية القائمة , خاصة في المراحل المتأخرة من وجودها , و في كل الأحوال إلى جانب علاقات الإنتاج و الملكية السائدة و ساعدت , و طالبت , باستمرار بإعادة تأسيس مركز سياسي جديد , في حال غيابه أو سقوطه , على ذات الأسس الاستبدادية السابقة .....
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
سوريو فرنسا يخلدون "ساروتهم": أشعل الثورة من جديد      انقطاع الكهرباء عن 44 مليون شخص في الأرجنتين وأوروغواي      فرنسا تخطط لإلغاء إعفاءات ضريبية بمليار يورو للشركات      الرقة.. قوات الأسد تفرض على سيارات نقل الطلاب 175 ألف ليرة جمارك      مقتل مدني ونزوح عشرات العائلات نتيجة قصف قوات النظام قرى ريف حلب الجنوبي      ساري يتولى قيادة يوفنتوس الإيطالي      ابنه مختف منذ أشهر على طريقة "العفاريت الزرق".. والد أكبر أعمدة التشبيح الإعلامي يموت قهرا      لندن: إيران تقف وراء الاعتداءات في خليج عمان على الأغلب