أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

العلاقات الروسية- الأمريكية واتفاقية «ستارت 2» .. د.خالد ممدوح العزي


تمثل الاستراتيجية الامريكية الجديدة انعكاسا واضحا للتغيرات الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فالولايات المتحدة تدرك أنها لا تستطيع أن تنفرد في الزعامة العالمية؛ فهي تحتاج إلى شركاء يتعاونون معها، بدل أن يكون هناك شركاء منافسون لها، كما أنها تحتاج إلى شركاء فاعلين قادرين على تقليص الفاتورة العالية التي دفعتها وتدفعها الولايات المتحدة كثمن لهيمنتها العالمية، خاصة أن حلفاءها التقليدين تحولوا إلى أعباء اقتصادية وسياسية وعسكرية، فأمريكا بحاجة لدور صيني فاعل في جنوب شرق آسيا، كما انها لم تعد قادرة على تحمل التكاليف العالية للصراع العربي الصهيوني التي من المحتمل أن ترتفع نتيجة الاخطاء التي ارتكبتها في العراق وأفغانستان. وعلى الرغم من الصورة الإيجابية المتصورة للعلاقات الدولية إلا أن هذه التحولات تعتمد بشكل كبير على مقايضات متبادلة بين القوى المتنافسة، وهي عملية يصعب إنجازها بشكل فعال دون تعاون القوى الإقليمية المعنية بهذه المقايضات.




الخلاف الحاد الناشب مؤخرا بين روسيا الاتحادية وأمريكا، والذي عبر عنه الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) في اجتماع الدول "المشاركة في المشاكل الأمنية في مدينة ميونخ الألمانية"، في مارس عام 2007، أثناء كلمته الذي ألقاها بانتقاد علني للسياسة الأمريكية الخارجية من خلال ممارستها للديمقراطية والازدواجية المتبعة مع الدول وتدخلها في شؤونها الداخلية والذي أكدها في خطابه في رومانيا من هذا العام لاجتماع حلف الناتو وروسيا متحديا بها الحلف وأمريكا.
الكلمات الحادة واللاذعة ما زال صداها في أمريكا وأوروبا حتى اليوم، فالخلاف الذي بدأ يخرج إلى العلن بين العملاقين في الفترة الأخيرة "روسيا وأمريكا" له أسباب عديدة ما زال اغلبها موجودا من أيام الحرب الباردة، والتي انتهت أوزارها عام 1990 مع انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور العديد من الدول على الخريطة السياسية، وروسيا أحدها، كانت لها حصة الأسد في وراثة الاتحاد السوفيتي، وعلى عاتقها ألقيت أعباؤها الداخلية والخارجية.
اتجهت روسيا نحو التغير بالاتجاه الغربي الرأسمالي، من خلال الانفتاح السياسي والاقتصادي، على العالم الجديد الحر، وأصبحت مرتبطة بأمريكا وعلى شراكة معها، خاصة بعد وصول أصدقائها الروس الجدد إلى الحكم في البلاد والسيطرة على الاقتصاد العام، في حكم الرئيس الأول لروسيا (بوريس يلتسين) عندها نهبت البلاد والثروات الاقتصادية بعد انهيار النظام الاشتراكي، التي تحولت فيما بعد إلى أملاك شخصية وخاصة. فمن وجهة النظر الأمريكية، أصبح الليبراليون الروس الجدد أكثر ديمقراطية في إدارة البلاد.
لكن النظرة الأمريكية نحو روسيا لا تزال نفسها كما كانت قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، نظرة الحذر والترقب، أنها العدو الأول والخطر بسبب امتلاكها للترسانة النووية والثروات والموارد الحيوية، والأدمغة العلمية، إضافة إلى الاقتصاد الروسي الذي بدأ يتعافى ويستقر والأموال العامة تتكدس في خزينة الدولة بعد الطفرة النفطية في أسعار الغاز والبترول في العالم وتحديدا بعد حرب العراق عام 2003 .
روسيا قوة جديدة عالمية للطاقة في عهد الرئيس بوتين من خلال تطورها ورسم سياسة واستراتيجية لها مستقلة وخاصة، هذا ما بدأ يزعج أمريكا التي نصبت نفسها الحاكم الأول على العالم والتي لا تريد أن يشاطرها فيه أحد، أكانت روسيا أو أوروبا، هذه القوى الجديدة الناهضة التي تحاول تغيير الخريطة السياسية الجديدة للعالم من خلال التحالفات القادمة، على خط الشرق- روسيا- الصين- الهند، أو على خط أوروبا- أوروبا القديمة+ روسيا.
لذلك تعمد أمريكا في إغراق العالم بمشاكل جديدة، ولا تريد تقاسم قالب الحلوى معهم ضمن فكرة العالم المتجانس. فهي تلجأ يوميا لحجج وذرائع مختلف لجر روسيا لسباق تسلح جديد كما كان الحال عليه خلال "الحرب الباردة "، فروسيا تعي جيدا ماذا يعني التوسع الأمريكي على حدودها وفي مناطق نفوذها الجيو-سياسي ومحاولة توظيفها في حرب نفسية جديدة ضد روسيا .
أمريكا تحاول نشر صواريخها قصيرة المدى في بولونيا وتشيكيا، مبررة ذلك بأنها لمواجهة الصواريخ الإيرانية والكورية الشمالية، يعني هذا انه تم إيجاد عدو جديد "هو روسيا" لان الصواريخ التي تحمي أمريكا نفسها، من أي اعتداء مقبل، سيتم إسقاطها فوق الأراضي الروسية.
إذا قدر لأمريكا نشر صواريخها في أوروبا الشرقية تكون بذلك أحكمت الطوق من كل حدب وصوب على روسيا، بذلك تضمن واشنطن ضمنيا السيطرة على العالم حتى حلول عام 2017 في المجالات الجوية والعسكرية خصوصا بوجه روسيا، التي ستصبح بعد ذلك عاجزة عن الرد التلقائي ومنعها من إطلاق أي صواريخ دفاعية في حالة نشوب حروب ضدها أو تعرضت مصالحها للخطر، إن نشر الصواريخ ومحاصرة روسيا من كل الاتجاهات المحيطة (البحر والبر والجو وحتى من تركيا)، يعني ذلك عزل موسكو، حصارها وتحديها كقوة عظمى وبكل معنى الكلمة يعني ذلك الدخول في أزمة جديدة عالمية، وفقا لهذه السياسة الاستراتيجية الأمريكية القديمة تعمل صقور البيت الأبيض على الأمور التالية:
1- سابقا ضمت دول أوروبا الشرقية وتحديدا بولونيا ودول بحر البلطيق إلى حلف الناتو، وحاليا تحاول ضم أوكرانيا، وجورجيا وأذربيجان إلى الحلف.
2- تم بناء أنبوب خط النفط باكو- جيهان، الذي أطلقت عليه اسم صفقة القرن العشرين وتم تمريره في ظل روسيا عن طريق (أذربيجان- جورجيا- تركيا).
3- تمايز الدور الأمريكي في حرب (إقليم الشيشان) الروسي من خلال دعمها للحركة الانفصالية هناك وتوفير الغطاء السياسي والمعنوي والمادي لهم.
4- بعثرت دول يوغسلافيا السابقة، ضربت صربيا وعربدة عليها ودعمت الحركة الانفصالية الألبانية في "إقليم كوسوفو" من اجل السيطرة على المياه الدافئة في البحر الأدرياتيكي وتقليص دور روسيا التاريخي في البلقان .
5- محاولة مستمرة للسيطرة على مناطق نفوذ روسيا في مناطق آسيا الوسطى، من خلال استخدمها القواعد العسكرية بشكل مؤقت في محطاتها للحرب على الإرهاب هناك كما ادعت.
6- ابتدعت مصطلحها الجديد وأدخلته إلى قواميس اللغات العالمية في السياسة الدولية "الثورات الملونة" والتي حدثت معظمها في مناطق الفلك الروسي تحت شعارات براقة (الديمقراطية والحرية والازدهار الاقتصادي).
7- محاولة جر روسيا مجددا إلى سباق سلاح جديد من خلال نشر نظام الدفاع الصاروخية (صواريخ قصيرة المدى) في دول مجاورة لروسيا مثل "بولونيا- تشيكيا" ومن ثم أوكرانيا وجورجيا.
8- محاولة التدخل في الشؤون الروسية الداخلية في محاولة لسيطرة على القرار السياسي الروسي والضغط على سياسة بوتين كما كان الحال عليه في أيام الرئيس يلتسين وإدخال روسيا مرة ثانية في حالة «الغيبوبة الدائمة"... وإبعادها عن الخريطة السياسية من خلال شعاراتها الدائمة (الديمقراطية، الحرية، التعبير، القمع المخابرات، الدكتاتورية).
9- محاولة صقور الإدارة الأمريكية الحالية العمل بكل قواهم للضغط على روسيا من اجل انتزاع موافقة سياسية مبدئية في حربهم العسكرية المقبلة على إيران.
10- محاولة أخيرة للرئيس بوش في ادخل كل من جورجيا وأوكرانيا إلى حلف الناتو، والتي تم إفشالها والإحالة دون إدخالهما في الحلف، بسبب الاعتراض والضغط الروسي فكانت الاستجابة الأوروبية الآنية لها في تجنب صراع مباشر مع موسكو.
11- العمل الدؤوب لمنح إقليم كوسوفو استقلالا خاصا والاعتراف به كدولة رغما عن انف موسكو ما أدى إلى توتر جديد بينهما، بسب رفض روسيا المطلق ودعم أمريكا وأخذها للوعود على عاتقها وتنفيذها قبل دخولها الحرب لصالح كوسوفو... علمًا أن أمريكا احتلت العراق وأفغانستان دون الموافقة الروسية تحت شعار الحرب على الإرهاب، محاولة استغلال دورها في الأمم.
العروض السريعة التي تم تناولها للسياسة الأمريكية تجاه روسيا، محاولة تقليص دورها السياسي في العالم من خلال الضغط الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي والتهميش لدور الدولة الحديثة والتغيب المطلق للديمقراطية والحرية ذات المنشأ الروسي غير المستورد أمريكيا والعودة إلى أيام الماضي (المخابرات، المافيات). إن الطرح الأمريكي هذا بدأ يقلق شعور موسكو، ويوقظ الدب الروسي من ثباته العميق لكي يبدأ التفتيش عن طعامه بنفسه، ويدفعه إلى تطوير ترسانة صواريخه الدفاعية الجديدة. أمام هذه المستجدات كلها لم يبق أمام صقور الكريملين الجدد سوى الرد على العنجهية الأمريكية وغطرستها السياسية. إن النقد الذي قام به الرئيس "بوتين" للسياسة الأمريكية ليس إلا بداية لسلسلة من الخطوات الروسية في مواجهة المشروع الأمريكي.
ما تزال العلاقة بين البلدين يحكمها التوتر في العلاقات بالرغم من الانفراج الذي يسيطر على جو العلاقات التي نراها اليوم؛ لان جو عدم الثقة بين الجبارين هو الذي يسود، لان العديد من الملفات تسيطر على الساحة الدولية، وتفرض نفسها على العلاقات الدبلوماسية، لقد استطاع الرئيس "ميدفيدف" متابعة الإستراتجية البوتينية في استكمال استنهاض دور روسيا على الساحة الدولية بعد الانهيار الاقتصادي والأمني والسياسي والإيديولوجي والعسكري والأخلاقي الذي حل بالاتحاد السوفييتي ووريثه الشرعي روسيا الاتحادية، فهذا الخلل الذي أصاب العالم نتيجة سيطرة الأحادية القطبية لصالح الولايات المتحدة على حساب روسيا، التي وقعت على اتفاق ستارت1 للحد من الأسلحة النووية والإستراتجية، والتي أظهرت من خلالها ضعف روسيا الاتحادية، بعدها ساد طوال الفترة جو من التوتر الدائم وعدم الثقة بين البلدين، فما كان من روسيا وقيادتها السياسية والعسكرية إلا السكوت أمام الغطرسة والعنجهية الأمريكية التي طالت روسيا نفسها ومدارها الحيوي التي داخل إلى داخل البيت الروسي من خلال الصراع الطويل والمرير على العديد من الملفات الساخنة التي استطاعت روسيا من التصدي لها ببطء، فالتصدي للسياسة الأمريكية ابتدأت مع الرئيس "بوتين" الذي وضع إستراتجية في العام 1999، تقوم على ثلاثة مرتكزات:
- إعادة الدور الجيو سياسي، والجيو-استراتيجي لروسيا الاتحادية .
- إعادة إحياء دور روسيا الإمبراطوري وفقا لمصلحة روسيا وشعبها، بعيدا عن أي مفهوم إيديولوجي، ولو وفقا لمصلحة اقتصادية.
- إعادة الاعتبار لمصالح روسيا الاقتصادية الدولية، والمحافظة على حديقتها وخلفيتها التاريخية من خلال تفعيل الدبلوماسية الروسية في العالم .
بناء على هذه الاعتبارات التي تم ذكرها عمد الرئيس بوتين في تفعيل سياسة روسيا ودبلوماسيتها الخارجية، إلى تطوير دفاعات روسيا العسكرية، السيطرة على الداخل الروسي وحل العديد من الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادي، التي أدت إلى ضبط الوضع الداخلي، من اجل الخروج إلى العالم الخارجي، فكانت الطفرة النفطية العالمية التي حسنت موقع روسيا، إضافة إلى الانشغال أو الفشل الأمريكي في العديد من المواقع، فهذا الإخفاق الدولي لمعالجة مواضيع عدة كانت روسيا تعاني منها، فما كان من روسيا الوقف بقوة لصد كل الهجمة الشرسة التي واجهتها سابقا وتكلمنا عنها في الأعلى، لكن الدب الروسي استطاع بنجاح أن يسدد ضربات عدة في المرمة الأمريكي دفاعا عن النفس، مبتدئا بحرب جورجيا والدفاع عن اوسيتيا، والاعتراف بجمهوريات "ابخازيا، واسيتيا" دولتين مستقلتين، في عام 2008، وأدت إلى تقارب روسي أمريكي بوصول اوباما وميدفيدف التي مارس تطبيق سياسة بوتين الإستراتيجية والتي أدت في نيسان 2010 إلى توقيع اتفاق ستارت 2 في براغ التشيكية، المدينة الذي كانت محطة توتر جديدة في العلاقات، ميدفيدف الذي سجل نصرا نظيفا لبلده في الاتفاقية وأعاد الاعتبار لدور روسيا بعد عقدين من الزمن ظن البعض أن روسيا انتهت من الخريطة السياسية، لقد سجلت روسيا نقطة مهمة لها في الاتفاقية وهو البند الصريح الذي ينص على أن روسيا يحق لها الخروج من المعاهدة متى تشاء عند الإخلال بالاتفاقية وهذا يعود إلى مصداقية الولايات المتحدة بالالتزام التام بنص المعاهدة، والنقطة الثانية الاعتراف الأمريكي بدور روسيا الرئيسي في العالم على أنها دولة كبرى أو لا تزال في إطار كونها قطب دولي وهنا لا نبالغ، بأن روسي بعد هذه المعاهدة أعادت نفسها قوة أساسية على المسرح الدولي .
عام بأكمله مضى قبل أن يتم توقيع اتفاق (ستارت 2) بين الرئيس اوباما والرئيس ميدفيدف والذي ينص على الحد من التسلح النووي والاستراتيجي حسب جدول يحدد الكميات التي يمكن أن تبقى في عهدة كل دولة من هذه الدول. ولكن ما هو الثمن الذي تلقاه كل فريق من الآخر قبل الاتفاق بعد أن كان التوتر سيد الموقف، طبعا التغيرات السياسية على الخارطة الدولية هي التي فرضت نفسها لكي يوقع كل طرف على الاتفاق الذي ميز نفسه المفوض الروسي بحقه في الانسحاب ساعة يرى نفسه، غير متكافئ في هذه العملية هذا من الناحية العامة ولكن من حيث المبدأ هناك ثمن اضطر الأمريكي لدفعه للروسي مقابل الموافقة الروسية المشروطة بناء للأمور التالية :
1- الإقلاع عن خطة نشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، فكان مكان توقيع الاتفاقية في مدينة براغ التشيكية التي كانت موقع خلاف، إضافة إلى رفع الغطاء الأمريكي عن المشاكسة السياسية لبولندا في أوروبا الشرقية الموجهة ضد روسيا.
2- الإقلاع عن الوعود في توسيع حلف الأطلسي على حساب روسيا ومناطق نفوذها الاستراتيجي، فكانت ضربة روسيا الموجعة لجورجيا في آب 2008، وهزيمة الثورة البرتقالية في أوكرانيا، ونجاح مرشح روسيا المدعوم من صقور الكرملين .
3- الانقلاب السياسي في جمهورية "قرغيستان"، والمدعوم من روسيا التي استعادت السيطرة على هذه الجمهورية بعد ثورة "التيوليب" عام 2005 .
4- الاعتراف الأمريكي بقوة روسيا القطبية ودورها الدولي.
بالرغم من الوصول إلى شبه اتفاق دولي ورسمي بين البلدين على حل جميع الملفات العالقة، والتي تشكل نقطة خلاف بينهما بالرغم من إن هناك العديد من الملفات العالقة التي لم تحسم بسبب طبيعتها الصعبة:
1- كملف الشرق الأوسط والدور الروسي القادم في هذا الملف، بالرغم من الحاجة الأمريكية الماسة لروسية في المساعدة، نظرا لعلاقات روسيا الواسعة مع دول وحركات هذه الدول "سورية وعلاقتها كدولة ونظام بروسيا منذ القدم، إسرائيل وجاليتها الكبيرة ذات الأصول السوفياتية" السلطة الفلسطينية، حركة حماس في فلسطين "حزب الله في لبنان" الحركات المعارضة الرسمية ذات التمثيل البرلماني .
2- الملف الإيراني، لقد وافقت روسيا،على فرض عقوبات على إيران، إذا لم تتوصل إلى حل مع المجتمع الدولي، ولكن دون أنياب، وأبقت لنفسها، حق بيع إيران سلاحا دفاعيا كالصواريخ الدفاعية لأنها لم تدخل في العقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة لان روسيا حتى اليوم حسب الإحصاءات المنشورة التي تقول بان السلاح التي تم تصديره إلى إيران يبلغ 6 مليارات دولار، ولاتزال روسيا موجودة في إيران تبني مفاعل "بوشهر" وأعلنت أنها سوف تسلم المفاعل نهاية هذا العام، روسيا وافقت على العقوبات كي لا تكون روسيا تشاكس القرار الدولي، وخاصة بعد أن بدأ يظهر تعنت إيراني دون مبرر، وهذا ما عبر عنه الرئيس الروسي أثناء زيارته إلى "الدنمارك" نهاية شهر نيسان من هذا العام عندما قال هذه العقوبات التي سوف تفرض على إيران سوف تكون موجعة جدا.
ولكن روسيا وضعت شرطا في العقوبات بان لا تكون ذات أنياب، لان روسيا تعتبر إيران لا تزال شريكا لروسيا في عدة أماكن، كبحر قزوين في عملية استخراج النفط، وفي القوقاز، وأذربيجان، وارمينا، وفي مناطق آسيا الوسطى وفي الشرق الأوسط، إيران زبون جيد من حيث شراء السلاح والتنقيب النفطي والتكنولوجي ...الخ.
3- الملف الخلافي الذي لا يزال موضع تجاذب بين الدولتين هو ملف "كوسوفو" الذي بقي مجمدا مع وصول إدارة اوباما، بالرغم من إن الحزب الديمقراطي في آخر أيام "بيل كلنتون" الذي ضرب صربيا عام 1999 والذي قابلته روسيا بطرح استقلال كل من "ابخازيا واوسيتا الشمالية».
5- الملف الذي بدأ الصراع عليه اليوم هي مناطق آسيا الوسطى ذات الوجود الحيوي لروسيا، وبدأ مع انقلاب "قيرغيستان" لصالح روسيا ولم تنته معالمها حتى اللحظة لان ملف آسيا الوسطى ملف حيوي وضرورة التحدث عنه بالتفصيل .
6- ملف الطاقة لان الحرب القادمة التي ابتدأت معالمها مع بداية الألفية الثالثة، من اجل الطاقة التي يسيطر عليها، فروسيا استطاعت ان تضع نفسها قوى عظمى في مجال الطاقة بسب سيطرتها على مواقع الطاقة ومصادرها الطبيعية .
والسؤال أمام هذه المجابهة النقدية الروسية للسياسة الأمريكية التي أصبحت تشكل عائقا بوجهها في كافة المناطق العالمية، هل تستمر هذه المنهجية النقدية الروسية دون التحول إلى مجابهة علنية من خلال توجيه سياسي جديد للدولة البوتينية؟ وهل تكون إستراتيجية رئيس روسيا الجديد ديمتري ميدفيدف من العام 2008 إلى العام 2012 هي نفس المنهجية النقدية البوتينية لأمريكا، في متابعة لإستراتيجية مبرمجة. ويتحول النقد إلى حرب باردة جديدة؟ والتي ابتدأت معركتها في ضوء الاعتراف الأمريكي باستقلال كوسوفو ونشر الدرع الصاروخية في أوروبا، ومحاولة أمريكيا ادخال كل من أوكرانيا وجورجيا إلى منظمة دول حلف الناتو. فالرد أتى سريعا على هذه المواضيع من موسكو من خلال كلمة الرئيس بوتين المتحدية في اجتماع قمة روسيا- الناتو المنعقد في نيسان من هذا العام في رومانيا. فهل تستمر المعركة الدبلوماسية لاحقا أم تنتج خطوات أخرى في الرد على هذه المشاكل، إذا ما هي خطوات موسكو المستقبلية على كل ذلك.
من هنا نرى زيارة الرئيس الروسي "ميدفيدف" إلى دمشق في 11 أيار الماضي، أتت في إطار، استكمال خطة التفاهم الروسي الأمريكي ومن ضمنها "ملف الشرق الأوسط" والحاجة الأمريكية للدور الروسي في بلورة صورة واضحة من قبل حلفاء موسكو في المنطقة، من اجل متابعة خط قطار تسوية، عملية السلام العربية - الإسرائيلية وخاصة في ظل التصعيد الإسرائيلي الموجه باتجاه سورية بعد صفقة صواريخ السكود الروسية التي زودت بها سورية، حزب الله في لبنان، "ميدفيدف" الذي أتى إلى سورية، ليؤكد أن سورية هي تحت الحماية الروسية وممنوع مسها، من خلال التهويل الإسرائيلي نحوها وغير مسموح بضربها، وخاصة بعد تصريح باراك الأخير الذي قال بأنه سوف يعيد سورية إلى العصر الحجري. فهذا غير مقبول، محاولة روسية جديدة بإعادة إحياء التفاوض، الإسرائيلي- السوري حول الجولان المحتل، ومن اجل إحياء عملية السلام العربية الإسرائيلية، إضافة إلى الشيء المهم هو إعادة التقارب العربي الروسي الرسمي مع الدول العربية والإسلامية الذي بدأ يغيب عنها الدور الأمريكي.
"ميدفيدف" الذي أكد بأنه يستطيع التكلم مع الدول العربية وحتى المعارضات الرسمية من خلال اللقاء بخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الإسلامية الفلسطينية، ولكن حسب التوجه الروسي وليس حسب فهم البعض بان روسيا قادمة الى الشرق الأوسط لبناء أحلاف عسكرية أو جبهات، تعيد للبعض أحلام الماضي في فترة الحرب الباردة، لا احد يستطيع ادخال روسيا في أي وهم عسكري خاص، لان الإستراتجية الروسية الحالية هو حل الخلافات والنزاعات الحالية، العالقة بينهم وبين الأمريكان، من اجل اخذ موقع لروسيا في المنطقة، لان مصالح روسيا أغلى واقوى من أي حلم محلي لأي شخص أو قائد عربي أو إسلامي، لذلك نرى بان روسيا القادمة إلى الشرق الأوسط، ليس لمحاربة الأمريكان أو الخلاف معهم، وإنما الفرصة اليوم تسمح لروسيا بلعب هذا الدور نتيجة للحاجة الأمريكية الماسة لهذا الدور الروسي.


باحث إعلامي ومختص بالشؤون الروسية ودول الكومنولث
dr_izzi2007@hotmail.com

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي