أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عزمي بشارة: فشل إسرائيل في الحرب مصلحة لكل دول المنطقة

المفكر العربي عزمي بشارة

رأى المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة أن مصلحة الجميع، دولاً وقوىً في المنطقة، تكمن في ألّا تحقق إسرائيل أهدافها من الحرب على غزة.

واعتبر أن الشروط الثلاثة لتوقف إسرائيل عدوانها تُختصر بأن يُضرب الإجماع الإسرائيلي حول الحرب، وبأن يختلّ الاتفاق الأميركي ــ الإسرائيلي على هدف العدوان، أي القضاء على حركة حماس، وأن تتخذ البلدان العربية الرئيسية خطوات حقيقية من نوع التهديد الجدي بقطع العلاقات مع إسرائيل.

على صعيد آخر، أعرب عن اعتقاده بأن أي دخول لحزب الله اللبناني في الحرب لن يغيّر الأوضاع في غزة، بل من شأنه زيادة الثمن الذي تدفعه الدولة العبرية.

وقال المدير العام لـ"المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، في مقابلة مع التلفزيون العربي من مدينة لوسيل في دولة قطر، إنه طالما أن هناك إجماعاً إسرائيلياً على استعادة التوازن والهيبة والانتقام بواسطة الحرب، وطالما أن الاتفاق الأميركي ــ الإسرائيلي متواصل على هدف الحرب، وطالما أن لا خطوات حقيقية من الدول العربية، فإن حرب الإبادة على القطاع مستمرة.

وفي هذا السياق، شدد على أنه "في ظل موازين القوى الحالية، الحسم ميدانيٌّ حصراً، ذلك أن فرض وقف إطلاق للنار مستحيل حصوله إلا بتغيير على مستوى الإجماع الإسرائيلي حول الحرب، وباختلال في الاتفاق الأميركي ــ الإسرائيلي على الهدف المركزي للحرب، أي القضاء على "حماس"، وباتخاذ البلدان العربية مواقف عملية حقيقية من نوع قطع علاقاتها مع إسرائيل أو التهديد الحقيقي بقطعها". في المحصلة، "ليس وقت المبادرات السياسية حالياً، بل للمقاومة والقتال والصمود" برأي بشارة.

وحذّر من أنه إذا أكملت إسرائيل مخططها بالاتفاق مع أميركا، ستتضاعف الغطرسة الأميركية والإسرائيلية مع جميع بلدان المنطقة وقواها، متسائلاً: "كيف سيتم التعاطي مع هذه البلدان باحترام وهم لم يتمكنوا من إدخال مساعدات وإجلاء جرحى حتى؟". انطلاقاً من ذلك، اعتبر بشارة أن فشل إسرائيل في تحقيق هدفها من الحرب مصلحة لكل دول المنطقة وقواها.

وبرأيه، هناك عامل قد يغيّر من مسار الحرب، هو أن تتخذ البلدان العربية خطوات تتعلق بالتطبيع مع إسرائيل وقطع العلاقات معها بدل الاكتفاء باستدعاء سفراء مثلاً، وهذا أمر من شأنه أن يغيّر الحسابات الأميركية المعنية بشدة بتقارب عربي ــ إسرائيلي من شأنه طمأنتها لتكمل إيلاء الأولوية لمشاريعها في الشرق الأقصى، ذلك أن "لا بديل من العرب بالنسبة إلى واشنطن في المنطقة" على حد تعبير بشارة.

في هذا الإطار، وصف رفض المسؤولين العرب مناقشة "اليوم التالي" للحرب ومن يحكم غزة من بعد "حماس" مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في عمّان اليوم السبت، وإصرارهم على أن الموضوع الوحيد الجدير بمناقشته حالياً هو وقف إطلاق النار، بالأمر الجيد. كذلك خلص بشارة إلى أن كلام مسؤولين عرب عن ضرورة إنشاء محاكم دولية لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين، لا قيمة حقيقية كبيرة له "لأن من يُحاكم هو المهزوم دائماً تاريخياً". بدلاً من ذلك، لفت بشارة إلى أن "أضعف الإيمان أن تفتح مصر معبر رفح من دون تنسيق مع إسرائيل بما يتعلق بالمساعدات والجرحى على الأقل".

ورداً على سؤال عن مسار العدوان وأهدافه بالنسبة إلى دولة الاحتلال، كرر بشارة رأيه بأن للحرب هدفاً واحد بالنسبة إلى إسرائيل لا هدفين: القضاء على حركة حماس. أما هدف تحرير الأسرى الإسرائيليين "فهو تابع للأول وليس هو المهم". لا بل إن قول حكام تل أبيب إن إطلاق سراح الإسرائيليين المحتجزين هو من أهداف الحرب "كلام يناقض نفسه، لأن القصف قد يقتل بعض هؤلاء الأسرى وقد يُضعف رغبة حماس في الإفراج عنهم، ثم إن القيادة الإسرائيلية اليوم ترفض هدنة لأكثر من 24 ساعة لإطلاق سراح المدنيين، وهذا لا يعبّر عن أي اهتمام لديها بحياة الأسرى الإسرائيليين" وفق تقدير الدكتور بشارة.

وذكّر المفكر العربي بأن حركة "حماس" أعلنت موافقتها على إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين مقابل جميع الأسرى الفلسطينيين، وهذا كلام ردده مسؤولون إسرائيليون قبل حماس، لكن هذا أمر مستحيل حصوله لأنه سيصوَّر على أنه إنجاز للمقاومة، وصنّاع القرار الإسرائيلي لن يوافقوا عليه".

وكشف بشارة أن المشكلة حالياً لا تكمن في عدد مَن يطلق سراحه، بل في أمرين بالنسبة إلى المسؤولين الإسرائيليين: أولاً أنهم يفاوضون على هدن إنسانية يرفضون أن تتجاوز فترتها الـ24 ساعة مقابل إطلاق سراح الإسرائيليين المحتجزين في القطاع، وثانياً موضوع الوقود، إذ إننا أمام دولة وصل بها الحال إلى درجة أنها تعرض السماح بإدخال بعض الوقود مقابل استعادة الرهائن الموجودين في القطاع، بينما الهدنة ضرورية لجمع الرهائن في حال تقدُّم مفاوضات إطلاق سراحهم، يقول بشارة.

ورداً على سؤال عن احتمال أن يتغير الموقف الأميركي المؤيد بشكل مطلق للعدوان، أجاب بشارة بأن ذلك ممكن "إذا حصل تغير كبير في الرأي العام الأميركي، وهذا وارد إن صمدت المقاومة". ولاحظ أن تغيراً بدأ يظهر بالفعل في الرأي العام الأميركي، وحتى الأوروبي، رغم أن معظم وسائل الإعلام الغربي "متواطئة مع الحرب"، بحسب كلام بشارة الذي لفت إلى أن هناك شعوراً عاماً بأن الناس في الغرب بدأت تتعب وترى كمّ الأكاذيب.

أما عن الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، فأوضح الدكتور بشارة أنه لم يكن متوقعاً من نصر الله أن يعلن حرباً في خطاب، ولم يكن مطلوباً أن يعلن الحرب، وذكّر بأن الغالبية من اللبنانيين ترفض انخراط لبنان في حرب شاملة، وحزب الله بعدما انخرط أكثر فأكثر في الشأن اللبناني تصرّف ببراغماتية في عدم تفجيره مواجهة شاملة. وقال عن هذا الموضوع إن حزب الله حالياً يتسبب في تدفيع إسرائيل ثمناً، "ولكن لا تتغير طبيعة الحرب على غزة بما يحصل على الحدود مع لبنان، أي إن انخراط حزب الله في حرب شاملة لا يغيّر في مسار ما يحصل في غزة".

وتوقف عند واقع أن ما يحصل على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية "هو تغيير لقواعد الاشتباك"، بمعنى أن الخسائر التي يجب أن يدفعها أي من الطرفين قبل الوصول إلى حرب شاملة أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه سابقاً، بدليل أن حصيلة القتلى من الطرفين، في الاشتباكات الحاصلة منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ورغم أنها كبيرة، لم تؤدِّ إلى حرب شاملة، بينما حصيلة أقل بكثير سُجلت في 2006، أدّت إلى حرب بحجم التي رأيناها في ذلك العام.

وأعرب بشارة عن قناعته بأن "لا قرار بالحرب بالنسبة إلى إسرائيل وحزب الله، لكن قد تتدحرج الأمور نحو ذلك، وهذا الأمر قد يكون إقليمياً أيضاً". وحذّر مدير "المركز العربي" من أن "الأصوات الإسرائيلية التي تدعو إلى ضرب حزب الله بعد غزة كثيرة جداً"، وخلص إلى أن نظرية توازن الردع انتهت بالنسبة إلى إسرائيل لأن هذا التوازن لا يكون إلا مع دول وليس مع تنظيمات وفصائل، بالتالي، إن لم يتحوّل حزب الله إلى جزء عضوي أكثر في النسيج السياسي اللبناني، أي إن لم يصبح هو الدولة اللبنانية، فإن الرغبة الإسرائيلية بالقضاء عليه ستزداد.

وفي شأن متصل، أعرب بشارة عن ثقته بأن ليست لدى إيران نية المشاركة في الحرب، ووصف مواقفها في اليمن والعراق وسورية بأنها تتعلق بمصالح إيرانية إقليمية تدخل فيها حسابات لا علاقة لها بإسرائيل وبالقضية الفلسطينية. وقال إن ما يحصل من استهداف قواعد أميركية في العراق مثلاً رسائل ردّ إيرانية على الرسالة الأميركية التي تتعلق بإرسال حاملات طائرات وبوارج عسكرية أميركية إلى المنطقة.

وعن تضامن الشعب السوري، بعد كل معاناته، مع القضية الفلسطينية، قال بشارة إنه تضامن لا يتم تقديره بالشكل الكافي. أما بالنسبة إلى غياب النظام عن السمع في ما يتعلق بالحرب على غزة، فأعرب بشارة عن اعتقاده بأن هذه إحدى نتائج "انتهاء سورية كدولة" بعد كل ما ارتكبه النظام من حرب على شعبه وسوء إدارة الأزمة في بلده منذ 12 عاماً إلى درجة "عادت سورية ساحة لا دولة" وفق تعبيره.

على صعيد آخر، ورداً على سؤال عن احتمال تنفيذ سيناريو تهجير سكان غزة إلى سيناء، ذكّر بشارة بأن التهجير سياسة منهجية منذ تأسيس دولة إسرائيل، والأمر حاصل في الضفة الغربية والقدس وغزة منذ عقود نتيجة التضييق على حياة سكان تلك المناطق. وبرأيه، فإنّ حلم التخلص مرة واحدة من أهل قطاع غزة، ومع أنه موجود في رغبات مسؤولين إسرائيليين كثر، لكن تحققه مستحيل طالما أن البلدان المعنية بالموضوع ترفض ذلك، خصوصاً مصر، بالتالي يصعب أن تتخلص إسرائيل من فلسطينيي غزة إلا من طريق إبادة.

وبخصوص مستوى الضغط الشعبي الإسرائيلي الممارس على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو حالياً، لفت بشارة إلى أن هناك تشكيكاً دائماً في قدرته على قيادة المعركة وليس هناك ثقة بينه وبين قيادة الجيش، لذلك اضطر إلى إدخال جنرالات سابقين إلى كابينيت الحرب. كذلك في ما يتعلق بالضغط عليه على خلفية الأسرى الإسرائيليين، فهذا ضغط موجود حالياً، ولكنه لم يصل إلى درجة الانفجار بعد، وهذا، بحسب تقدير بشارة، أمر لا بد أن حركة حماس تعوّل عليه، لأن سياسة نتنياهو بهذا القصف الهمجي يناقض هدف إطلاق سراح هؤلاء بوساطة ما.

وبالنسبة إلى مواقف السلطة الفلسطينية وأدائها منذ بدء العدوان على غزة والحرب الإسرائيلية الضمنية على الضفة الغربية، لاحظ بشارة غياباً للسلطة عن أوجه سياسية كثيرة من الحدث، داخلياً ومع الدول العربية. وعن هذا الموضوع، ذكّر بشارة بأن السلطة لم توقع اتفاق أوسلو مع المستوطنين، متسائلاً: "لماذا لا تواجههم أجهزتها الأمنية في مناطق الضفة الغربية، ذلك أن هؤلاء خارجون حتى عن القانون الإسرائيلي؟".

وعن أوجه التقصير السياسي للسلطة، تطرّق بشارة إلى عدم تحديدها بشكل واضح ودقيق لمطالبها من الدول العربية مثل مصر حيال فتح معبر رفح مثلاً.

وكان للحراك العالمي المناهض للحرب حيّز واسع من مقابلة التلفزيون العربي مع الدكتور عزمي بشارة الذي وصف ذلك الحراك الحاشد في الغرب خصوصاً بأنه "الذخر الرئيس للبعد الأخلاقي الإنساني الكوني لقضية فلسطين" بعيداً عن أي أيديولوجيا. وبالنسبة إلى مشاركة يهود كثر في الغرب بالتظاهرات الحاشدة ضد الحرب الإسرائيلية، اعتبر أنها الدليل الأوضح على أن المشكلة ليست مع اليهود، بل مع الصهيونية ومع سياسات إسرائيل ومع الاستعمار والاحتلال، "لذلك من المهم أن نخاطب العالم بقيم كونية أخلاقية إنسانية"، وفق كلامه.

عن الكلفة الإنسانية لهذا العدوان الذي يكاد يدخل شهره الثاني، شدد بشارة على ضرورة عدم اعتياد هذه المجازر و"التطبيع" معها. وفسّر هذه الحصيلة الهائلة من الشهداء بأن الحرب وُضعت لها قاعدة غير أخلاقية منذ البداية، عبّرت عنها مصطلحات مسؤولين إسرائيليين مثل الرئيس إسحاق هرتسوغ الذي جزم بعدم وجود أبرياء في غزة "وإلا ثاروا على حركة حماس"، أو وصف وزير الأمن الإسرائيلي يوآف غالانت سكان القطاع بـ"الحيوانات البشرية" من دون أن يدينهما أي مسؤول غربي.

ولاحظ بشارة كيف أنه في البداية كان المسؤولون الإسرائيليون يحاولون تبرير جرائمهم مثلما حصل في مجزرة مستشفى المعمداني، لكنهم اليوم لم يعودوا مضطرين إلى التبرير حتى، بما أن قصف المستشفيات والمدارس لم يجد أي إدانة من قبل زعماء العالم.





عن "العربي الجديد" - مختارات من الصحف
(64)    هل أعجبتك المقالة (60)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي