أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هكذا يسدد الأسد ثمن النفط الإيراني

ليس من رقم معلن عن حجم الديون الإيرانية المستحقة على نظام بشار الأسد، بل وليس من مطالبة علانية، سوى تلك التي أطلقها، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمة الله فلاحت بيشه قبل 3 أعوام: "نطالب حكومة بشار الأسد بوفاء الديون المترتبة عليها لإيران" والذي نقلته وكالة "إرنا" الرسمية وقتذاك، ليغيب ملف الديون، بعد "إرضاء إيران باستثمارات" بقطاع الطاقة وغيره والسماح لها بالتمدد على الأرض وبمؤسسات الدولة، كما يقول رئيس الائتلاف السوري المعارض السابق، نصر الحريري لـ"العربي الجديد".

لكن عودة ناقلات النفط والغاز الإيرانية إلى سورية أخيراً، أعادت طرح السؤال عن المقابل، ومن أين وكيف ستسدد سورية هذه الديون المتراكمة، والتي قدرها المستشار الاقتصادي، أسامة قاضي بنحو 60 مليار دولار، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن الفترة المقبلة ستشهد "عقود ترضية بالطاقة والاتصالات" لإسكات الشارع الإيراني واستمرار دعم نظام الأسد بالنفط والغاز.

عودة النفط إلى عروق نظام الأسد
يطالعنا مسؤولون بميناء بانياس "غربي سورية" أسبوعياً، بوصول ناقلات نفط وغاز إيرانية إلى سورية، من دون أن يلمس السوريون فارقاً، إن بتوفر المادة أو بكسر سعرها بالسوق السوداء الذي أوصل سعر ليتر المازوت إلى نحو 10 آلاف ليرة والبنزين إلى 9 آلاف، علماً أن السعر الرسمي المدعوم 750 ليرة لليتر المازوت، والحر "غير المدعوم" 3000 ليرة والبنزين 4900 ليرة.

وتأتي عودة تدفق النفط الإيراني بعد مرحلة يصفها سوريون، بالقصاص، خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي، قبل استئناف التصدير لتصل خلال الشهر الأخير عدة بواخر، منها "لوتس، سيرفان سابو، غلرو، أرمان 114، لانا، داران"، ومتوسط حمولة الباخرة، نحو مليون برميل نفط، فضلاً عن باخرتي غاز بحمولة 4 آلاف طن.

وفيما يشبه الرد على ما قيل عن رفع إيران أسعار النفط على النظام السوري، من 40 إلى 70 دولاراً للبرميل، تطابقت التصريحات السورية والإيرانية، خلال زيارة وزير الخارجية، أمير عبد اللهيان لدمشق أخيراً، بنفي رفع الأسعار والتأكيد أن البلدين بصدد التوقيع على "اتفاقية تعاون استراتيجي طويلة الأمد، مماثلة للاتفاقية التي وقعتها إيران مع بعض القوى العالمية".

ويأتي دعم إيران نظام الأسد بالنفط، بعد تراجع الإنتاج الذي تسيطر عليه الحكومة إلى نحو 20 ألف برميل يومياً، رغم أن سورية تحتاج، بحسب تصريح سابق لرئيس مجلس الوزراء، حسين عرنوس يومياً لنحو 180 ألف برميل نفط، لسد فجوة الاستهلاك المحلي البالغ 200 ألف برميل، مقدراً خلال تصريح سابق أن تأمين المشتقات النفطية بنحو 50 مليون دولار شهرياً.

وكان إنتاج سورية من النفط نحو 380 ألف برميل نفط يومياً، قبل عام 2011، تراجع إلى أقل من 150 ألف برميل اليوم، تسيطر "قوات سورية الديمقراطية" على القسم الأكبر منه، بمناطق شمال شرق سورية الأكثر إنتاجاً للنفط والغاز.

إدخال النفط الإيراني إلى سورية.. مؤقت
يؤكد المهندس النفطي عبد القادر عبد الحميد لـ"العربي الجديد" أن النفط الإيراني الذي يصل إلى سورية "ليس جميعه للاستهلاك المحلي" بل يتم تكريره بمصفاة بانياس ويتم تصدير الجزء الأكبر منه لصالح إيران إلى خارج سورية "إلى حزب الله أولاً"، عبر رجال أعمال سوريين، بمقدمتهم "شركة القاطرجي"، ولكن يوجد رجال أعمال آخرون "أبرزهم صبحي عباس وفؤاد علداني"، يأخذون جزءاً من النفط الإيراني المكرر بأسعار تفضيلية ويبيعونه بالسوق السورية بأسعار مرتفعة "ألم تسأل حكومة الأسد نفسها من أين يأتي النفط إلى الشوارع والمحال السورية ويباع بأضعاف السعر الرسمي؟".

ويضيف المتخصص السوري لـ"العربي الجديد" أن معظم عمل مصفاة بانياس لصالح إيران التي تصدر المشتقات من سورية، ملتفة على العقوبات الدولية، وتأخذ حكومة الأسد نسبة مئوية عن التكرير، سواء نفط أو أموال، في حين ما يصل لشركة "سادكوب" الحكومية، التي تتولى تخزين وتوزيع المواد البترولية، لا يتعدى 50% مما يدخل سورية، و"لو كان النفط الإيراني كله يوزع بالسوق السورية لاختفت الأزمة، نحن نتكلم عن مليون برميل أسبوعياً بالحد الأدنى، بعد العودة والتراضي".

ويشير عبد الحميد إلى أن صبحي عباس وفؤاد علداني عليهما قضايا تهريب نفط، لكن الحصانة الدبلوماسية "أعضاء مجلس شعب" تحميهما، ما دفع وزير النفط بحكومة بشار الأسد "قبل أيام" للطلب إلى وزير العدل أحمد السيد، بإمكانية منح الإذن في الملاحقة القضائية بحق عضو مجلس الشعب فؤاد علداني، لكن "هؤلاء شركاء النظام ويعملون بنسب لصالحه".

وحول تراجع توريد النفط الإيراني خلال الأشهر السابقة لسورية، يبيّن عبد الحميد أن "إيران عاقبت النظام بالنفط قبل التوافق بشأن التصالح مع تركيا أو حصتها على الأرض" مشيراً إلى أن إيران "موعودة اليوم بمشروعات وحصص جديدة" مستفيدة من تقنين توريد النفط والتلويح برفع السعر، بعد تصريح المتحدث باسم اتحاد مصدري النفط والغاز والبتروكيماويات في طهران، حميد حسيني "أن إيران نفسها تحت الضغط، ولا يوجد سبب للبيع لسورية بأسعار منخفضة".

كم تبلغ الديون السورية لإيران؟
لم يحصل "العربي الجديد" خلال تقصيه على رقم محدد لحجم الديون الإيرانية على نظام بشار الأسد "الدولة السورية" ففي حين يقدره رئيس مجموعة عمل اقتصاد سورية، أسامة قاضي بنحو 60 مليار دولار، ذهب رئيس الائتلاف السوري المعارض السابق، نصر الحريري إلى أكثر من ذلك، مضمناً المعدات العسكرية وبعض السلع، إلى النفط.

ويقول الحريري لـ"العربي الجديد" إن مشروع إيران بالمنطقة، يدفعها لضخ الأموال "من دون تفكير بالعائد دائماً" مشيراً إلى استخدام "أموال عراقية منهوبة" بتمويل ما سماه "مشروعها الفارسي طويل الأمد". فالمعروف من الديون، بحسب الحريري، هي أموال الخطوط الائتمانية التي وقعتها إيران مع نظام الأسد وآخرها خلال زيارة رئيس النظام في مايو/أيار العام الماضي إلى طهران.

ويضيف المتحدث أن هدف إيران "إبقاء الفوضى وإجهاض الحلول" بالتوازي مع السيطرة المتنامية على الأرض وفي مؤسسات الدولة، فرغم يقين إيران بعدم قدرة النظام على التسديد، لكنها تستمر بضخ النفط لتكون تلك الديون "أهم ورقة خلال التفاوض الذي سيأتي يوماً لا محالة"، خاتماً لـ"العربي الجديد" أن الديون على سورية" من روسيا وإيران خاصة" تسجل على سورية والشعب للأسف، لأن العالم لم يزل معترفاً بالنظام والديون على الدولة وليس على شخص الأسد.

من جهته، يقول قاضي لـ"العربي الجديد" إن إيران "تعلم أن ديونها على سورية معدومة" لكنها تستمر بتكبيل النظام ومنعه من اتخاذ أي قرار يتنافى مع خططها بالسيطرة، مشيراً إلى استخدام الأراضي السورية كمنافذ للنفط الإيراني والمخدرات، حيث "تعيد التكرير وتصدر النفط والمخدرات عبر سورية".

ويقدر قاضي ثمن النفط فقط بنحو 60 مليار دولار، إذ تمد طهران النظام منذ 7 أعوام بالنفط، "منذ فقد السيطرة على مناطق الإنتاج"، ولكن "لا شك هناك ديون أخرى" جاءت عبر مشاركة إيران بالحرب على السوريين وثورتهم.

من أين ستسدد سورية ثمن المحروقات الإيرانية؟
كما أن حجم الديون الإيرانية على سورية "مبهم"؛ فإنه لا توجد آلية أو جدولة للإيفاء، فمنذ مطالبة رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمة الله فلاحت بيشه، قبل ثلاث سنوات، حكومة بشار الأسد بوفاء الديون المترتبة عليها لإيران، والغموض يلف هذا الملف.

وكان فلاحت بيشه قد قال لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، إن حكومة الأسد أصبحت مديونة لإيران بعد سنوات طويلة من التعاون بين البلدين. وعلى المسؤولين الإيرانيين تحصيل هذه الديون من الناحية القانونية، مضيفاً: "بصفتي نائبا في البرلمان الإيراني، طالبت المسؤولين السوريين عند لقائي بهم بسداد ديونهم" التي قدرها خلال التصريحات في مايو/أيار 2020 حسب موقع "اعتماد أونلاين" الإصلاحي الإيراني، بما بين بين 20 و30 مليار دولار.

الباحث نوار شعبان يقول لـ"العربي الجديد"، إن الدين ليس محصوراً بالنفط فقط، بل هناك ديون تقنية وخدمية وعسكرية، فهو كبير جداً والنظام غير قادر على السداد وإيران تعلم ذلك، لكنها تتطلع، مقابل التكبيل بالديون، للسيطرة على المؤسسات والبنى التحتية والموانئ، والأهم التغلغل والتأثير بهيكلية النظام السوري.

ويرى الباحث بمركز "عمران للأبحاث" أن انشغال روسيا، منذ عام بحربها بأوكرانيا، أعاد الفرصة لإيران لتتمدد وتفرض شروطها من جديد على النظام السوري، فعادت لتصدير النفط والغاز وبدأت بتوثيق الاتفاقات (24 اتفاقاً) التي وقعتها بقطاعات النفط والكهرباء والزراعة وتحاول إحياء اتفاق الفوسفات، إضافة لحجز مكان بإعادة الإعمار، وهذا برأي الباحث السوري، شكل من أشكال استرداد الديون الذي اتفق مع سابقيه، أنها لا تؤرق إيران ولا تبحث عن استردادها بقدر ما تسيطر مقابلها على الأرض والمؤسسات ومفاصل الدولة.

ولا يبتعد أسامة قاضي، بل يشير إلى عودة العلاقات "الطيبة" بين طهران ونظام الأسد، متوقعاً توقيع اتفاق الخلوي الثالث مع إيران وانشاء مصرف وإحياء الاتفاقات التي وقعها النظام مع إيران، وبمقدمتها المتعلقة بقطاع الطاقة، من نفط وكهرباء وفوسفات.

وحول خطوط الائتمان "الديون المعلنة" يختم قاضي أن الأسد وقع أول خط ائتماني مع طهران بقيمة مليار دولار عام 2013، ثم أتبعه عام 2014 بخط آخر بقيمة 3 مليارات دولار وفي عام 2015 فتح خطا ثالثا بقيمة مليار دولار، ليتوقف هذا الشكل من الديون، حتى طلبت إيران بشار الأسد لزيارة طهران العام الماضي، للاتفاق حول عودة تصدير النفط وإملاء شروطها، فتم توقيع خط بقيمة مليار دولار.

عن "العربي الجديد" - مختارات من الصحف
(156)    هل أعجبتك المقالة (127)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي