أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

قراءة: العراق ما بين السقوط وإعلان المقاومة....سامي الأخرس

مقالات وآراء | 2010-04-24 00:00:00

تعددت وتنوعت الاجتهادات المفسرة للمشهد الصادم - إن جاز التعبير- الذي تناقلته الفضائيات العالمية في صبيحة التاسع من إبريل عام 2003م من العاصمة العراقية" بغداد"، حيث فجأة تهاوت كقطع الدومينو أو القطع الورقية  تحت عجلات الدبابات الأمريكية التي رابطت فجأة على مشارف القصور الرئاسية، بمشهد يوصف بالصادم حيث أن كل المؤشرات لم تكن تتوقع هذا السيناريو أو ذاك المنحى الفجائي للحرب العراقية- الأمريكية، في عملية حسم لمعركة لم تبدأ فعلًا، وخاصة في ضوء المشاهد التي كان يتناقلها التلفاز العراقي لصمود مدينة بحجم " أم قصر" وأسرى القوات الأمريكية والبريطانية، وهي بالطبع وبكل تأكيد مشاهد حقيقية أكدت أو أعطت إيحاء بأن العراق سيصمد طويلًا في وجه الآلة العسكرية المرعبة لأمريكا وحلفائها، القوة الأعظم عسكريًا على المستوى العالمي، والقوى الأخرى المساندة لها والتي تعتبر أيضًا من القوى الكبرى عسكريًا- كالذيل - بريطانيا والحلف الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية لضرب بغداد والإطاحة بشرعيتها السياسية الممثلة بشخص " صدام حسين" وحزب البعث العراقي.
هذا المشهد السيريالي بألوانه وملامحه يحتاج لمزيدًا من القراءة العميقة في فصوله وسيناريوهاته، التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، انبلجت أول خطوطه ومظاهره في الحرب العراقية - الإيرانية التي اندلعت كمواجهة عراقية لشعار تصدير الثورة الذي انتهجه" الخوميني" قائد الثورة الإيرانية في محاولة لإعادة صياغة المنطقة سياسيًا، تحت وقع الزخم الإعلامي الذي أحدثته الثورة الإيرانية، والتعاطف اللامحدود معها في المنطقة، مستغلًا كذلك التعاطف الشعبي مع الثورة التي أسقطت نظام " الشاه" المؤيد والداعم للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهو ما كان يمثل ضغطًا متوازيًا في المنطقة التي تعتبر من أغنى مناطق العالم بالثروات النفطية، ما وضعها في موضع صراع دائم، ومحل أطماع القوى الاستعمارية العالمية التي تبحث عن مصادر الطاقة الحيوية. أضف لذلك الأهمية الجيوسياسية للمنطقة كموقع هام وحيوي بين قارات العالم القديم، وبين الشرق والغرب، وهي أطماع غير مستجدة بل قديمة ما قبل انفجار الثروة النفطية.
واجه العراق كقوة إقليمية عربية ناشئة الخطر الإيراني في بدايات العقد الثامن من القرن الماضي بحربًا طويلة امتدت لثمانٍ سنوات، ليخرج منها منتصرًا معنويًا بإعلان" الخوميني" الموافقة على إنهاء الحرب، ولكن هذا النصر لا ينفي أو يخفي انكسار العراق اقتصاديًا، حيث يحتاج لسنوات طويلة للتعافي من آثار هذه الحرب سواء على الصعيد الاقتصادي، أو إعادة تأهيل قواه وبناه التحتية، أو على الصعيد الاجتماعي الذي أصيب بتفكك في بنائه الأسري نتيجة فقدان الآلاف من أبناء العراق، وهو ما يعني تحمل الدولة لمسئولياتها في إعادة تأهيل وبناء المجتمع العراقي، لمعركة البناء والتجديد، أي أن العراق خرج من معركة عسكرية وحربية، لخوض معركة أشد وطأة وشراسة ألاّ وهي معركة البناء والترميم. هذا لا ينفِ أيضًا أن العراق شهد تنامي لقدراته وخبراته العسكرية على المستويين البشري من حيث الخبرات العلمية والعسكرية التي اكتسبها العراق من حرب الثمانِ سنوات، أو على مستوى الآلة العسكرية وعمليات التصنيع العسكري، والتكنولوجيا العسكرية التي تم تزويد العراق بها خلال الحرب، مما يعني خروج العراق كقوة إقليمية مؤثرة في المنطقة تمتلك مفاتيح التدخل والتأثير في سياساتها وخريطتها السياسية، واليد الطولي في حسم العديد من التوجهات الإقليمية، التي بدأت ملامحها تتجسد في الإعلان عن تشكيل مجلس التعاون العربي كقوة موازية لمجلس التعاون الخليجي. وهو بكل الأحوال أزعج العديد من القوى الدولية ممثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا، حيث أن إمكانيات العراق وقوته السياسية تدفعه لفرض سطوته على منابع النفط ودول المنطقة، إضافة لكونه من أكثر البلدان المنتجة للنفط والتي تمتلك احتياطي كبير على مستوى العالم، مع الإعلان عن إنتاج المدفع العملاق، وهو ما مثل إزعاجًا عسكريًا لدول إقليمية في المنطقة الخليجية، ولإسرائيل، وكذلك لدولة كسوريا التي تحالفت مع إيران في حربها ضد العراق، وهو ما يعتبر تهديد لهذه الدول التي تشترك في حالة عداء للعراق، وعليه فالعراق أصبح يشكل مصدرًا للإزعاج خاصة في ظل أن كل المؤشرات تؤكد وتدل على أن العراق خرج من حربه بالعديد من الأزمات، ولكنه برغم ذلك اثبت قوة وثبات كدولة كبيرة ذات وزن في طريقها لتجاوز هذه الأزمات، ومداواة الجراح والنهوض من جديد أكثر قوة.
فكان من الضروري البحث عن سيناريو آخر يطيح بالعراق بعيدًا عن الحلبة الإقليمية، ويدع العراق لإلقاء فوطة الاستسلام البيضاء في حلبة معقدة بتركيبها وتكوينها الديموغرافي في ظل تعلق الآمال العربية الشعبية بالعراق عامة، وصدام حسين " رحمة الله" خاصة، فكان الفخ أو المصيدة الكويتية، النصير للعراق في حربة ضد إيران، حيث بدأت الخلافات تشتعل اقتصاديًا حول آبار النفط على الحدود العراقية - الكويتية، مع استفزاز متعمد للعراق الذي كما واسلفت يعاني من أزمات عديدة نتيجة لحرب الثمانِ سنوات ، وهو ما دفع "صدام حسين" لخوض مغامرة عسكرية لم تتضح خلفياتها وتفاصيلها وأسرارها حتى راهن اللحظة، والزج بقواته إلى دولة الكويت - التي يعتبرها احد محافظات العراق- وهو ما مثل بداية لانفراط قوة وعنفوان العراق كقوة إقليمية مؤثرة، حيث بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تحشد الجميع إعلاميًا وعسكريًا ضد العراق، الذي واجه حلفًا هو الأكبر في ذاكرة التاريخ البشري. فبدأت ملامح التاسع من ابريل 2003م تتبلور في إسقاط " بغداد" منذ تلك اللحظة، واكتملت فصول السيناريو ولم يتبق سوى الإخراج والتنفيذ الذي ارتكز على:
أولًا: ضرب العراق عسكريًا، وإضعافه من خلال إخراجه مهزومًا من الكويت، واقتطاع مناطق بالداخل العراقي يمنع بموجبها تواجد سلطة الدولة العراقية والتي يتم منها رسم السياسات التآمرية لإسقاط الاستقرار الداخلي للعراق.
ثانيًا: إثارة النعرات المذهبية والطائفية في التركيبة الديموغرافية العراقية المعقدة، وعلى وجه الخصوص معتنقو المذهب الشيعي أصحاب الولاء للمذهب وليس للوطن، وهو ما اتضح في التمرد والعصيان الذي شهده الجنوب العراقي أثناء انسحاب الجيش العراقي من الكويت.
ثالثًا: منح المبررات لدول الخليج العربي في توفير التسهيلات اللوجستية لأمريكا وحلفائها، مما أدى لإنشاء قواعد في الكويت - قطر- السعودية- البحرين- الإمارات وجميعها مهمتها التخطيط للسيطرة على المنطقة وقيادة عملية احتلال العراق.
رابعًا: شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربًا إعلامية شرسة ضد "صدام حسين"، وصنعت منه ديكتاتور بعد أن كان بطل قومي في نظر العرب.
خامسًا: إطلاق يد إسرائيل الأمنية للعبث بالمنطقة، وتشكيل لوبي أمني واقتصادي للعمل في جنوب العراق وشماله، ودول المنطقة العربية في الخليج، وهو ما مثل أحد مصادر الإسناد في رحلة إسقاط بغداد، والانتقام من الزعيم "صدام حسين" الرئيس العربي الوحيد الذي تجرئ على دك تل أبيب بالصواريخ. 
سادسًا: هيمنة وسيطرة الولايات المتحدة على مصادر النفط العربية، ودول المنطقة التي أجبرت على دفع تكاليف الحرب القادمة، والقواعد الأمريكية التي استندت على إدعاء حماية دول المنطقة من خطر العراق، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد أمنت قواعدها وحربها من الناحية الاقتصادية.
سابعًا: استنهاض القوى المعادية لصدام حسين في الداخل العراقي، وتسخيرها لإحداث خلل في الاستقرار الاجتماعي، والسياسي، والعسكري والأمني في العراق.
ثامنًا: تفكيك مجلس التعاون العربي الذي ضم " مصر- الأردن - اليمن - العراق" وبذلك إخراج مصر من دور الحليف، لدور العدو للنظام العراقي، وهو نفس سيناريو تحييد مصر عن القضية الفلسطينية بمعاهدات كامب ديفيد، التي تحولت بموجبها مصر من دور الحليف للقضية الفلسطينية لدور الوسيط.
تاسعًا: فرض حصار اقتصادي على العراق استمر لعشرة سنوات، حرم خلالها العراق من تنمية قدراته العسكرية، وتجفيف موارد وقدرات العراق مما خلق حالة من التذمر الداخلي للشعب العراقي ضد النظام و"صدام حسين" وحزب البعث، تمهيدًا لإسقاطه جماهيريًا وشعبيًا.
عاشرًا: إطلاق يد فرق التفتيش الدولية التي كان أهم أهدافها تجريد العراق من كل مقومات صموده، والإجهاز على العراق على كافة الصعد والاتجاهات، وإعطاء الضوء الأخضر للولايات المتحدة باستكمال فصول مؤامرتها وهجمتها ضد العراق.
في ضوء هذه الحقائق والمتغيرات كان السيناريو مُعد لإسقاط العراق سياسيًا وداخليًا، بما أن مبررات الضربة العسكرية لم تنضج بعد في ضوء القراءة السياسية السليمة التي أدركها الرئيس الراحل " صدام حسين" والجهاز السياسي العراقي الذي خاض معركته سياسيًا في المحافل الدولية، وأمام الرأي العام العالمي والدولي، واستطاع العراق من خلالها تحقيق نصرًا في مواجهة الإدعاءات الأمريكية، من خلال الاستجابة لمقررات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، والموافقة على اشتراطاتها، والسماح لفرق التفتيش الدولية بالعمل دون صعاب تذكر، وهو ما عرى الولايات المتحدة إعلاميًا، وحقق للعراق صمود خلال العشرة سنوات التي واجهة خلالها العراق حربًا ضروس على المستويات السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، وظهور ثبات وقوة النظام العراقي في السيطرة على الأوضاع الداخلية، والأمنية، والتحركات السياسية الدولية، وفشل الخطة المعدة لإسقاط النظام العراقي دون اللجوء للخيار العسكري الذي سيظهر الولايات المتحدة كقوة محتلة مهما اختلقت وحلفائها من مبررات، وبذلك يكون العراق قد حقق تعاطفًا عربيًا ودوليًا على المستوى الشعبي، وتحول الرأي العام الدولي نحو كشف زيف الإدعاءات الأمريكية وهذا تجلى من خلال توافد الوفود الأجنبية إلى العراق، وحالة التملل في كسر الحصار عن العراق، الذي أصبح ميدانًا لمواجهة جبروت واستعمارية الولايات المتحدة المستفردة بالعالم، والمتجبرة حتى مع أصدقائها.
أمام صمود العراق لعقدين في حرب غير متكافئة سواء على الصعيد العسكري مع إيران، وما تبعها من حرب سياسية واقتصادية وإعلامية استمرت لعشرة سنوات، وازدياد قوة النظام شكليًا في صموده وأدائه وإدارته للحرب وللازمة بحنكة سياسية تؤكد على فهم كامل وشامل للمعركة، كان لابد من اللجوء للضربة الأخيرة والقاضية ضد العراق، ألاّ وهي عملية الحسم العسكري، تلك العملية التي كان كل المراقبين يدركوا أنها محسومة للجانب الأمريكي وحلفائه للإعتبارات والحقائق السابقة التي تم ذكرها وتحليلها، ولا يمكن غياب هذه الحقيقة عن القيادة العراقية أو عن صدام حسين، برغم أن الخطاب العسكري والسياسي العراقي كان يُفهم منه ظاهريًا توفر مقومات الصمود، ولكن من تعمق بالخطاب العراقي وخاصة أبان الحملة ضد العراق أدرك أن ملامح المواجهة العسكرية لا يمكن أن تتم بالطريقة التقليدية (الكلاسيكية) بين الجيوش، حيث أن العراق عسكريًا بلا أنياب، في ظل ما سبق وذكره من عمليات تقزيم قواته وقدراته، البرية والبحرية والجوية، والمعنوية.
إذن فما هي الخيارات في ظل هذه الحالة؟!!!
لا يمكن بأي حال من الأحوال التسليم بأن العراق و"صدام حسين" بنى إستراتيجية المواجهة على فرض النمط التقليدي، في ظل إدراكه للأوضاع على الأرض، وتقديراته للمعركة وسيناريوهاتها، وهو ما أكده تلاشي وذوبان كل تشكيلات الجيش العراقي النظامية، والتشكيلات الشعبية والحزبية التي شكلها حزب البعث وصدام حسين، خاصة وأن هذه التشكيلات تمتلك من المقومات والعتاد ما يمنحها العمل أكثر نجاعه في إستراتيجية المواجهة على الطريقة الفيتنامية، وهو ما يعتبر التفسير الأسلم للمشهد الذي رآه العالم أجمع في صباح التاسع من ابريل 2003م، ولا يمكن التسليم بغير ذلك، وهو ما يدفعنا لطرح احتمالين:
أولهما: أن اللحظة واليوم والتاريخ لم يكن محدد بهذه السرعة من القيادة العراقية، وربما سارع وتيرتها نوع من الخيانات العسكرية والأمنية، وهو الأكثر احتمالية في ظل الحقائق على الأرض، وخاصة أن العراق واجه خلال الأعوام المنصرمة حربًا أمنية من قوى مؤثرة مثل" الولايات المتحدة الأمريكية، إيران، إسرائيل".
ثانيهما: أن معركة المطار سارعت من اتخاذ القيادة العراقية لهذا القرار للحفاظ على قوام التشكيلات العسكرية، والجانب المعنوي، والإعلان عن بدء المعركة الحقيقية والتي أكدها ظهور "صدام حسين" في الأعظمية، ولقائه بالشعب العراقي رغم سقوط بغداد نظريًا، وهي رسالة واضحة المعالم للشعب العراقي وللعالم أن الحرب لم تبدأ بعد مع المحتل الأمريكي.
إذن فالمشهد السيريالي بكل تأكيد ليس مشهدًا عشوائيًا ساقته الأحداث مصادفة، وفرضًا لسير المعركة التي لم تحدث، ولم تندلع، وهو ما يؤكد على صوابية الاحتمال الثاني، وعليه حق المقاومة هو حق شرعي  ببدء المعركة الحقيقية مع المحتل الأمريكي، الذي أصبح في تعداد القوى المحتلة، وعليه حق المقاومة هو حق شرعي لأي شعب مُحتلَ، وهو ما تأكد من خطابات الرئيس العراقي" صدام حسين" بعد سقوط بغداد ونبرة الثقة والتحدي التي لم تدل على انكسار وهزيمة، بل دلت على عزيمة رئيس انتقل من القصور إلى الثغور.
فعلًا بدأت تتبلور ملامح المقاومة العراقية، التي لم تشهد عملية مخاض كأي مقاومة عرفها التاريخ، بل انطلق الوليد عملاقًا وكبيرًا من خلال ضرباته الموجعة والمؤلمة للاحتلال وأعوانه، في ظل توفر كل الإمكانيات اللوجستية، والمادية، والعتاد العسكري، والقيادة الميدانية، والقدرات التخطيطية، مع توافر العنصر البشري الفدائي المدرب، والمعد جيدًا لتنفيذ أعقد العلميات وأعنفها، مع الحماية الشعبية والجماهيرية لهذه المقاومة، وهو ما تيقنت له الولايات المتحدة وعملائها في الداخل العراقي سريعًا، فبدأت بالتحرك بموازاة المقاومة العراقية لتشويه هذه الصورة أمام الرأي العام العراقي أولًا، والرأي العام الدولي ثانيًا، فأنتجت المفخخات والتفجيرات الداخلية من خلال بعض القوى العميلة، والدخيلة، ومساعدة أنظمة الاستخبارات الإسرائيلية والإيرانية في هذه المهمة، واستغلال دعايتها ضد تنظيم القاعدة في الترويج لمؤامرتها، مستغلة حربها ضد تنظيم القاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر(أيلول)، وهو ما نجحت فيه بداية مستغلة الغياب الإعلامي والسياسي للمقاومة العراقية التي كانت تجابه عدو متعدد الأوجه سواء في حربها ضد المحتل الأمريكي وحلفائه، أو حماية قيادتها وعناصرها من ميلشيات الموت المتعاونة مع أمريكا وإسرائيل، وكذلك حماية علماء العراق وثرواته البشرية التي أصبحت هدفًا مشتركًا لإسرائيل وإيران معًا، مما يؤكد على مجابهة المقاومة العراقية لظروف غاية في التعقيد، وأن مقومات الصمود لا يمكن تتحقق لأي مقاومة في ظل هذه الظروف والمعطيات.
في خضم هذه الحالة كان المشهد الآخر على مرآي من كل العالم، ذلك المشهد الذي أكد على نصاعة وقوة المقاومة العراقية الحقيقية، وهو المشهد في معركة الفلوجة التي خاضت بها المقاومة العراقية بكل تشكيلاتها وأطيافها معركة شرسة وقاسية مع عدو يتفق بكل شيء، ويدعم من قوى داخلية عميلة في مواجهة إرادة المقاوم العراقي الوطني، هذه المعركة كذلك أسقطت الدعاية الأمريكية بأن الشعب العراقي يرفض المقاومة، حيث وفر الشعب العراقي للمقاومة في معركة الفلوجه درعًا حاميًا وواقيًا، وساندها شعبيًا وعسكريًا، ليؤكد أن المقاومة العراقية خيار الوطنيين برغم كل حملات التشويه، إضافة إلى أن هذه المعركة أثبتت فشل القوى العراقية العميلة استدراج المقاومة العراقية إلى معركة داخلية تحت عنوان المذهبية والطائفية، وأن الشعب العراقي باختلاف مشاربه المذهبية شعب حر يبحث عن سيادته الوطنية، ورمزيته العراقية الأصيلة، وهو ما اتضح أكثر بالاشتباكات التي اندلعت بين مليشيا مقتدى الصدر والجيش العراقي التابع لقوات الاحتلال، فهذه القوى بدأت تأكل بعضها البعض بعدما فشلت في استدراج المقاومة العراقية لمصيدة الفتنة، وتحييدها عن أهدافها الرئيسية في مقاومة المحتل وأعوانه، فتحول الصراع بين القوى العميلة لصراع على مناطق النفوذ والصلاحيات، وتقسيم الغنائم.
كما أن استنساخ قوى جديدة تحت مسميات الصحوات وهي مليشيات شكلتها الولايات المتحدة كأذرع إضافية لملاحقة المقاومة والتصدي لها جاءت لتؤكد أن المقاومة العراقية توجه ضربات مؤلمة للمحتل وأعوانه، وإعلان فشل المحتل في تشويه المقاومة والحد من قوتها.
تلك الحقائق تؤكد أن المقاومة العراقية ورغم خسارتها لأهم رموزها ومقاتليها في وقت قياسي تؤكد إنها لا زالت في أوج عطائها، وأفضل حالاتها والملاحظ لخطابات " عزت الدوري" وبعض التشكيلات العراقية الوطنية يلاحظ أن المقاومة العراقية لها ذراعها الضارب، وهو ما يؤكده تقوقع أقطاب حكومة الاحتلال في المنطقة الخضراء بعد سبعة أعوام من سقوط بغداد، وبرغم سيطرتهم على ما يسمى الجيش العراقي الجديد الذي يُعد ويُدرب على أيدي أمريكية، ولكنه لا زال عاجز عن توفير الأمن والأمان للشعب العراقي من قوات المحتل وعملاء بعض القوى الإقليمية حتى في بغداد نفسها التي تشهد موجات كبيرة من التفجيرات في الأماكن العامة، والأسواق وهو ما يؤكد على براءة المقاومة العراقية من هذه الأعمال، التي تعتبر أحد مظاهر الإجرام المسلح لمليشيات العملاء المتآمرين على العراق ووحدته، وعملية تحريره، ويستهدف فيما يستهدف تشويه المقاومة العراقية، وفض التلاحم الجماهيري معها.
في ظل هذا المناخ السائد، وهذه الحقائق على الأرض يبرز السؤال المعبر عن حيرة تنتاب كل المراقبين المحليين للواقع العراقي ألاّ وهو ماذا حققت المقاومة العراقية؟!!
للإجابة بموضوعية ومنطقية عن هذا السؤال، يجب العودة لدراسة المناخ الجيوسياسي والنضالي الذي تعمل من خلاله أي مقاومة كانت، والقارئ للمقاومة الفيتنامية مثلًا يدرك التحديات الفعلية والواقعية التي تواجه المقاومة العراقية والتي تؤكد على أنها تعمل في بيئة غير سوية، وغير مهيأة للنجاح، وفي مناخ غير صحي، وتربة تفتقد لمقومات الإنبات الطبيعية، كما وتفتقد لمصادر الفعل الأكثر إنجازًا على الأرض، فالمقاومة الفيتنامية أو المقاومة الفلسطينية على وجه الحصر شهدت عملية مخاض طبيعي من رحم الشعوب التي وفرت كل الإسناد والدعم، ووفرت القواعد الآمنة لتحركاتها، وكانت بمثابة غطاء أمني للمقاتلين والثوار، ورافد وراصد في آن واحد لتحركات المقاومة، مما أوضح انتصاراتها في العديد من المعارك التي خاضتها، أضف لذلك قوة الدعم الخارجية التي شهدتها هاتين الثورتين سواء على صعيد الإعلام أو الدعم العسكري والسياسي، وهو ما تفتقده حتى راهن اللحظة المقاومة العراقية مما أدي لعدم ملامسة منجزاتها على أرض الواقع.
هذه المقومات سالفة الذكر تعتبر أحد المعوقات أو التحديات التي تواجها المقاومة العراقية التي تفتقد للزخم الشعبي والجماهيري كمجموع للشعب العراقي وليس كفئات، حيث أن هناك فئات وشرائح عراقية تخشى من المقاومة العراقية أكثر من الاحتلال، لأن مصالحها ترتبط بالاحتلال وبعض القوى الإقليمية، كما وتفتقد المقاومة العراقية للواجهة الإعلامية المؤثرة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال وأعوانها.
 الخلاصة العامة في هذه الجزيئية يمكن تلخيصها بغياب الحاضن السياسي للمقاومة العراقية، ومواجه التنكر من الجميع خشية من الولايات المتحدة الأمريكية. ومن بعض القوانين العراقية المتعاملة مع المحتل التي من أهمها وأبرزها" قانون اجتثاث البعث" الذي يُسلط على رقاب شرفاء العراق، كل هذه العوامل تتوازى مع التنكر العربي الرسمي والشعبي للمقاومة العراقية، وإدارة الظهر لها، واستقطاب بعض الطفيليات المدعية للمقاومة، بالرغم من إساءاتهم للمقاومة العراقية.
أضف لمجمل هذه الظروف العديد من الحقائق التي تم تناولها سابقًا، والتي تشكل موانع ضد المقاومة العراقية سواء على الصعيد المحلي العراقي، أو على الصعيد الإقليمي المحيط بالعراق، أو على حد سواء بالصعيد الدولي.
مجموعة هذه الظروف وهذه المعطيات أبرزت واقعًا شكليًا بأن المقاومة العراقية لم تحقق انجازات حتى راهن اللحظة، دعم هذه الواقعية إخفاء المحتل وعملائه حجم خسائرهم الحقيقية عن الرأي العام العالمي عامة، والأمريكي خاصة، وأصبح يبحث عن عمليات تضليل لتبرير الخسائر التي تلحق بقواته، سواء بحوادث عرضية مدنية، أو بنيران صديقة ..... إلخ من هذه المبررات المعتادة من قبل أي محتل كان.
كل هذه المعطيات تؤكد بشكل راسخ أن المقاومة العراقية تزداد قوة يومًا تلو يوم، حيث أن المتعارف عليه بديهيًا أن أي شعب يتعرض للظلم والقهر، والاحتلال، يتجه تلقائيًا نحو التمرد على الظلم، والثورة على المحتل، والبحث عن بدائل وطنية، وهذه البدائل لن تتوفر سوى بالمقاومة العراقية، وبذلك فالتوجهات الشعبية العراقية تتجه صوب المقاومة ورفدها ودعمها للتخلص من المحتل ومليشيات القهر والظلم التي تتقاسم العراق وخيراته. وربما نتائج الانتخابات العراقية الزائفة الأخيرة تحمل في طياتها بعض هذه المؤشرات التي أكدت أن الانتخابات لو أجريت بمناخ طبيعي ستشهد ثورة ضد المليشيات ورموزها، وستعيد الوطنيين العراقيين لواجهة الأحداث والقيادة من جديد.
إن الرأي العام العراقي أصبح مهيئًا للانقضاض على القوى السياسية الطائفية التي تنفذ أجندة خارجية تستهدف عراق مدمر، مشتت متشرذم، وعليه فإن هذه القوى تدرك أن بقائها وحياتها ترتبط بوجود المحتل الأمريكي، ولذلك فهي تجاهد لاستمرار الاحتلال لأمد بعيد في العراق.
بعد هذه الاستفاضة الطويلة في واقع المقاومة العراقية، والبيئة العراقية يتوجب النظر إلى مستقبل هذه المقاومة من خلال العديد من الاتجاهات والأبعاد، التي يقف على رأس أولوياتها الشعب العراقي بفئاته وشرائحه، وطبقاته فهو الأقدر على رسم مستقبل المقاومة العراقية، وتحديد معالم سياساتها وقوتها من خلال توفير البيئة الناضجة، والطبيعية والخصبة لعمليات الغرس للبذور الوطنية العراقية، ورعاية هذا الغرس حتى ينمو ويثمر ثمرًا طيبًا، يعيد العراق للانتصار، وهو يتطلب جهدًا وطنيًا وشعبيًا وتضامنًا مع المقاومة العراقية في طريق تحرير العراق وتطهيره.
فالعراقيون اليوم أمام حقيقة تؤكد أن المقاومة العراقية تواجه كل الأخطار، والمؤامرات ولكي تستطيع الثبات والمواجهة فلا بد من:
1. توفر القواعد الشعبية الآمنة من الشعب العراقي في الداخل.
2. توفر غطاء ودعم إعلامي ومعنوي ومادي وسياسي من العراقيين في الخارج.
3. تكوين لوبي من مفكرين ومثقفين العراق كقوة إسناد للمقاومة العراقية.
4. تفعيل الأطر المدنية" الطلابية، والعمالية ... إلخ" المساندة لقوانين التحرر من ربق الاحتلال وأعوانه.
هذا على المستوى الشعبي والوطني العراقي، أما على صعيد المقاومة العراقية ذاتها يتطلب منها:
1. مزيدًا من التنظيم السياسي والإعلامي.
2. تحديد أهدافها وإعلانها للشعب العراقي.
3. خلق قواعد إعلامية وسياسية متقدمة لكشف المؤامرات التي تواجهها من قوى الاحتلال وعملائه.
4. الابتعاد على الصراعات الطائفية والمذهبية.
5. توجيه ضرباتها للمحتل وعملائه.
6. التوحد بين اذرع المقاومة والتنسيق الكفاحي الموحد الهادف.
7. مخاطبة الرأي العام العربي والدولي بخطاب تحرري واضح الأهداف والمعالم.
8. حشد المفكرين والمثقفين العرب إلى صف المقاومة العراقية.
إذن فالخلاصة النهائية أن المشهد الذي حملته تباشير صباح التاسع من إبريل 2003م هو المشهد الذي أعلن فيه عن انطلاق المعركة الفعلية ما بين الاحتلال وقواه العميلة، والمقاومة العراقية التي فقدت بفترة وجيزة معظم قادتها ورموزها، والشخصيات الكاريزماتية التي كان يمكن لها أن تحدث العديد من المتغيرات لو استمرت، ولكن فقدانها واستشهادها بهذه السرعة مثل حالة صادمة سياسية ومعنوية للمقاومة العراقية، أبرز ضبابية المشهد المقاوم على مستوى الانجازات.

20 ابريل (نيسان) 2010م
Samykras_64@hotmail.com

 

 

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
مهجر مصاب بــمتلازمة "داون" وزوجته كفيفة وله طفلة... قصة من الوجع السوري      السجن 14 يوما للممثلة فيليستي هوفمان في فضيحة غش لدخول جامعات أمريكية      الجزائر.. 12 ديسمبر موعدا لانتخابات الرئاسة      لأول مرة وعلى استحياء.. "قسد" تعترف بالثورة السورية نكاية بالنظام      الأسد يبدأ باعتقال عرابي مصالحات درعا      هل تضاءلت حظوظ "المنطقة الآمنة".. واشنطن تتحدث عن مزيد من التفاصيل و"بعض التحصينات"      وزير أردني سابق يكشف عن تحذير أمريكي من مغبة التعامل مع نظام الأسد      الأسد يساعد موظفيه بقرض قيمته 100 دولار