أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الدراما السورية تركض على رمال الربع الخالي..هل آن أوان التنقيب الفكري في عالم البدو؟

كانت الدراما البدوية في نظر الكتاب والمخرجين السوريين وخاصة أولئك الذين يحملون بذور فكر يساري إلى سنوات ليست بالبعيدة، عيباً ومجلبة للسخرية وكانت «نخب ثاني» لا يمكن لها أن ترقى إلى مصاف النَخْبِ عالي الجودة ولم يكن يفكر (سلاطين) هذه الدراما بالاقتراب من البدو وعالمهم فهو بنظرهم ضحل وفقير من الناحية الدرامية، والتنقيب فيه لا جدوى فكرية من ورائه ورغم أن بعض الفنانين السوريين قد شاركوا في أعمال بدوية أردنية ولكن مشاركاتهم لم تكن تعدو كونها (شغلاً) من أجل التكسب لا أكثر ولا أقل.

والحق أن تلك النظرة كانت في محلها لسببين الأول لأن الأشقاء في الأردن وكانوا «سادة» هذا النوع من الدراما، كانت نظرتهم ورؤيتهم قاصرة بحيث اختصروا حياة البدو إلى مجرد بيت شعر وبضع غنمات وقصص حب سطحية وثأر وما شابه ذلك. والسبب الثاني أن حياة البادية العربية لم تحظ باهتمام عميق من قبل الكتاب والعارفين وظلت لفترة طويلة مثل صحراء الربع الخالي لم تصلها بعثات الاستكشاف الفكرية والمعرفية بل إن البدوي بحد ذاته كان مهملاً ليس درامياً فحسب بل حتى اجتماعياً وخاصة في المدن الكبرى حيث كانت تطلق صفة البدوي على كل إنسان لا ينخرط في آليات تفكير ونمط سلوك المدنيين بل إن بعض الناس لا يعرف مثلاً أن البدو أو الذين ما زالوا على تخوم البادية تفكيراً وأسلوب حياة، يشكلون نصف سكان سورية، أي إنهم رقم مهم واستراتيجي في المعادلة الاجتماعية السورية.
كلنا يذكر أن التلفزيون العربي السوري كان يعرض كل يوم جمعة مسلسلاً بدوياً يستحوذ اهتمام الملايين الذين كانوا يتحلقون حول أجهزة التلفزيون مأخوذين ومندهشين ومبهورين وهم يرون حياتهم تستعاد على شريط تلفزيوني دراميا فيدب فيهم الحنين إلى (الزمن الجميل) الذي يخصهم أيام كانت العواطف والأحاسيس حرة تسبح في بحر الرمال المتلاطم وأيام كانت الروح لا تعرف القيود والحواجز وأيام كان البدوي لا يأبه أو لا يعرف الحدود الجغرافية والسياسية بين بلدان المشرق العربي فقد كانت سورية والأردن والعراق وأجزاء من تركيا والخليج العربي فضاء اجتماعياً واحداً وإلى الآن من الممكن أن تجد شيوخاً في الجزيرة السورية لديهم خزان ذكريات امتلأ في حلب والموصل وبغداد والبصرة وحائل والرحبة وعمان ودمشق وحتى بيروت.
وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بدأت الدراما السورية تتحرك وتستعد لنهوض أصبح بعد حين حديث الناس وبدأ الكتاب يطرقون أبواب التاريخ بشقيه الفانتازي والموثق ويطرقون أبواب ما يُسمى الدراما الاجتماعية والشعبية واسقطوا من حسابهم الدراما العربية لأنها بنظر أغلبهم- كما أسلفنا- ليست من اهتمام الكبار والطامحين ولم يكلّف أحد الكتاب المرموقين نفسه عناء البحث عن اشراقات ما داخل التاريخ البدوي السوري والعربي وحتى المحطات الفضائية العربية المملوكة والممولة من قبل البدو في الخليج العربي انساقت في البداية وراء طموح الدراميين السوريين ولم تحاول حَرْفَ اهتمامهم فاسحة أمامهم كل المجالات ربما لكي لا يأتي من يقول إنها تدعم المشاريع (الرجعية) فدعمت مشاريع (تقدمية) بامتياز ولكن المشاهد الخليجي بدأ يبحث عن حقه إذا جاز التعبير في أنه يريد دراما تخصه وتداعب مخيلته وخاصة أنه جرب كل أنواع (الدرامات) من سورية ومصرية وأجنبية فالتقطت محطات خيوط هذا الاهتمام فتم تكليف شركات أردنية بانجاز أعمال بدوية وإذ بها استثمار تجاري وفكري لا يقدر بثمن فبدأت موجة الدراما البدوية تستعيد حيويتها وعافيتها وأعلن البدو بصوت عال: نحن قادمون فلم يجد السوريون بداً من ليّ ذراع بل عنق تفكيرهم وتوجههم وقرروا الخوض في هذه التجربة وكانت البداية ثلاث تجارب دفعة واحدة هي (سعدون العواجي) و(فنجان الدم) و(صراع على الرمال) وقد أوقف العمل الأول بعد عرض عدة حلقات منه على قناة أبو ظبي وتم منع الثاني من العرض في البداية ثم أفرج عنه بكفالة المحطة المنتجة وهي الـMBC وعُرض الثالث على محطة دبي ولكنه لم يكن في المستوى الذي توقعناه وخاصة من ناحية المضمون الفكري والمعرفي ومن بين هذه الأعمال كان فنجان الدم الأفضل من الناحية الفكرية حيث كان خطوة واسعة باتجاه الوصول إلى جوهر الحياة البدوية وكان أقرب ما يكون من العمل التاريخي بإهاب بدوي خالص. لقد كان (فنجان الدم) بمنزلة رفع الغطاء عن عالم يزخر بالدراما التي تحمل عبق وروح الماضي البعيد والقريب، لقد اقترب المسلسل من البدو السوريين لقد كان الطلقة الأولى من بين الإحدى والعشرين طلقة التي من المفترض أن تطلق احتفالاً بقدوم الدراما البدوية الحقيقية.
ونأمل أن يكون (أبواب الغيم) الذي يعمل المخرج حاتم علي على انجازه ليعرض في رمضان 2010 الطلقة الثانية والمفترض أن تكون أقوى من حيث التأثير والمحتوى.
لا قيمة للدراما التي تتناول تاريخاً بعيداً ما دامت لا تطرح أسئلة على الحاضر أو أنها تجيب عن أسئلة يطرحها الحاضر ومن ثم أي أسئلة وأي أجوبة نريدها من الدراما التي تتناول شأناً بدوياً، هذا إذا افترضنا أن ما سيحدث يستحق أن نأمل منه شيئاً.
نحن بالطبع لا نريد دراما لا تشبه البدو وهم أصل العرب وسر استمرارهم كتلك التي رأيناها في (صراع على الرمال).
ولا نريد دراما من أجل تذكير البعض بالطريقة التي كان يعشق بها البدو وحتى هذه لم يستطع أي عمل بدوي الوصول إلى حوافها.
نريد دراما يمتزج فيها التاريخ مع العشق مع الشعر ونريد دراما تتناول تلك الشخصيات التي كان تنبض في صدورها القلوب وتهتز في أياديها السيوف نريد دراما لأناس ورثوا الحضارة العربية بكل تجلياتها المعرفية.
نريد دراما تظهر الدور الذي لعبه البدو في الوقوف أمام مشاريع استعمارية ما زالت حية إلى وقتنا الراهن، نريد دراما تفتح أبواب البادية العربية وليست أبوب الغيم، أو أي أبواب أخرى.
لا نريد لليسار أن يطغى على اليمين ولا اليمين أن يطغى على اليسار ونريد أن يلتقيا بالوسط من أجل دراما بدوية حقيقية حتى لو كانت رائحة المال تنبعث منها.

محمد امين
(40)    هل أعجبتك المقالة (42)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي