أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التحجم قد يودي بجنبلاط إلى الانكفاء السياسي.... مهى عون


 
 بمناسبة "الجمعة العظيمة" عند المسيحيين نسأل هل تنتهي قريباً جلجلة وليد جنبلاط ؟
الأمر الأكيد والظاهر للعيان هو أن الزعيم الدرزي بات يتخبط في حالة من المعاناة عظيمة. يريد إرضاء الجميع ولا يعرف كيف. يرزح تحت ثقل  معادلة "لا مع ستي بخير ولا مع سيدي بخير"، وكلما حاول الخروج من الكبوة غرق أكثر. في 2 أيار عندما قرر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط التخلي عن  رفاق ثورة الأرز، تاركاً  صفوف  حركة 14 آذار، اختار طوعاً وضعية التحجم المناطقي ألتي اصابته نتيجة ذلك. فمن حجم الرجل السياسي الوطني اللبناني الرائد اختار العودة إلى حجم زعيم طائفة الدروز في منطقة الجبل. وها هو اليوم ليس بسبب المبدأ أي مبدأ ذهابه إلى سوريا، ولكن بسبب الشكل أي شكل الإصرار والترجي الذي سبق هذه الزيارة، يختار وضعية الانكماش على مستوى زعامة الطائفة الدرزية. ومن غير المستبعد أن يرى جنبلاط نفسه غداً بسبب هذا التحجم وهذا الانكماش مضطراً إلى الانكفاء السياسي.
 سلامة الطائفة؟ ... هل استدارة وليد جنبلاط الجديدة أمنتها أم أضعفتها؟ هذا ما سوف يكشفه المستقبل. ولكن في مطلق الأحوال يمكن القول أن السلامة لطائفة صغيرة تعد في لبنان من الأقليات (200ألف)، قد يؤمنها من دون شك على المدى القريب خيار التقرب واسترضاء حزب الله، وهو القوة الفاعلة والقادرة والمسيطرة حالياً على كافة الأراضي اللبنانية، ولكن ماذا عن المدى الأبعد ؟أين ذهبت حاسة الشم عند وليد جنبلاط؟ هل درس جيداً وليد جنبلاط احتمالات المرحلة المقبلة على صعيد المنطقة؟ هل حاول استشراف مواقف سوريا تجاه الملفات العالقة إقليميا؟ ما رأيه في الإصرار السوري لتحقيق السلام وما رأيه في حظوظ تحقيقه؟ هل حاول جنبلاط استشراف موقف سوريا بالنسبة لأي حرب مقبلة على إيران واحتمالات انخراط سوريا فيها أو عدمه؟ قد يجيب بأن "إعادة التموضع" تظل الوسيلة الأضمن من أجل الاستمرار. يبقى أن "استغشام" الناس له حدود، فأي مواطن عادي يمكنه أن يدرك جيداً بأن التموضع هو شيء وله علاقة بالثبات في المواقف المبدئية، و"إعادة التموضع" هو أمر آخر وله علاقة بفقدان المصداقية السياسية على المدى البعيد.
 وإذا كانت حجة "إعادة التموضع" كل مرة نابعة من الغيرة المفترضة والحرص على حقوق وسلامة الطائفة الدرزية، من غير المؤكد أن يظل وليد جنبلاط محط ثقة الطائفة الكريمة بسبب "كثرة تموضعاته" طوال فترة عمله السياسي. قوة الطائفة أي طائفة هي من دون شك من قوة قائدها وصلابتها من صلابته، وبالمقابل تراجعها ووهنها من حيرته وضياعه وعدم استقراره وثباته على خيارات نهائية. الطائفة الدرزية ولأنها من المكونات الطائفية الصغيرة لشرائح المجتمع اللبناني، ربما هي اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لشخص قوى يفرض كلمته على المستوين الداخلي والخارجي، ولاسيما العربي مثلما كان يفعل الزعيم الدرزي الأب كمال جنبلاط. القائد القوى هو القائد الذي لا يظهر ضعفاً أو خوفاً أمام عشيرته وجماعته. خاصة وأن تاريخ لبنان يشهد لبني معروف بالشجاعة والأقدام والاستبسال عند الحاجة. قد لا يكون الدروز وكما ينضح بذلك تاريخهم يؤثرون الانكماش والتقهقر على الإقدام والمواجهة. وربما لو سئلوا لكانوا آثروا "الكرامة على السلامة"
 خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد عودته من دمشق استوقفتني عباراتين، فيما بدا لي  أن كل ما ورد من خارجهما  كلام لزوم ما لا يلزم. الأولى عندما ذكر وليد جنبلاط الدروز الممتعضين من زيارته إلى سوريا بخطورة الانزلاق إلى الانعزال الطائفي أسوة بإنعزال المسيحيين في الماضي، وهي التهمة التي ألصقت بالأحزاب المسيحية في بداية الحرب الأهلية. في الحقيقة وعبر نظرة شاملة على تاريخ الدروز في لبنان، لا يمكن اعتبارهم طائفة قابلة للانعزال، بل على العكس تاريخ طائفة بني معروف ينبي بالاستعداد الدائم للاندماج والانصهار مع الطوائف الأخرى ولاسيما المسيحية والتي شكلت عبر التاريخ الطائفة التوأم للطائفة الدرزية في جبل لبنان. عندما يرفض الدروز مواقف قائدهم قد لا يكون ذلك من باب عدم الرضا على الانفتاح على سوريا. والأكيد أن تذكيرهم وتحذيرهم بتهمة الانعزال الحاضرة دائماً، قد لا تكون الطريقة الأفضل لاستجلابهم من جديد. ناهيك عن أن تذكير المسيحيين بتوصيف الانعزال ليس في محله، فتاريخهم هم أيضاً حافل وغني بمسار الانفتاح على العالم العربي، ولا يعكس ميزة تقوقعية. وللتذكير فالمسيحيين في لبنان شكلوا منبت لأهم أحزاب سياسية عربية عقائدية شهيرة ومعروفة (حزب القومي السوري، حزب القومي العربي)، لاقت رواجاً وانتشارا واسعا في كافة الأقطار العربية. الانعزال يأتي عادة من فعل إرادة ومن ردة فعل لشعور بالخوف من الأكبر والأقوى والأخطر. والخوف هو عيب لا يمكن إلصاقه لا بالطائفة الدرزية الكريمة ولا بالطائفة المسيحية أيضاً. وفيما خص تعمد وليد جنبلاط ترداد عبارة "ألتأكيد على الثوابت"مع الجانب السوري،  خلال مؤتمره الصحافي، فالتساؤل حول فحوى ومضمون هذه العبارة يفرض نفسه. فهل الفهم اللبناني لوليد جنبلاط لهذه الثوابت ولمضمونها يوازي المفهوم السوري؟ المفهوم السوري لثوابت "الساحة اللبنانية"معروف ويعني دعم  قوى 8 آذار،فهل يتمكن وليد جنبلاط في المستقبل من مجارة سوريا في ثوابتها هذه؟ وإلى أي مدى؟ وهل بمقدوره كزعيم طائفي تحمل وزر  مشتقات وتوابع هذه الثوابت والبقاء حيث هو؟
 شعر وليد جنبلاط بعد خروجه من حركة 14 آذار بأنه تحجم وتحول من زعيم وطني إلى زعيم مناطقي وطائفي. زعجه هذا الشعور وبحث عن مخارج. والمخرج كان بالنسبة له تخطي الحدود والخروج بطائفته إلى الفضاء الأوسع إلى الفضاء العربي عبر سوريا. ولسان حاله يقول: تعيروني بالتقوقع في منطقتي وطائفتي وأنا أتخطاكم لأتحول إلى زعيم عربي.  هدف شريف  وجدير بالاحترام، ولكن لا يمكنه أن يذهب إلى سوريا ويتكلم باسم الدولة اللبنانية، ولا حتى باسم اللبنانيين قائلا بأن سوريا تريد علاقات كذا وكذا مع لبنان، أو يتكلم عن ترسيم  الحدود، أو سواها من الأمور التي قد تؤثر القيادة في سوريا الكلام عنها مباشرة مع المسؤولين اللبنانيين الرسميين  وليس طبعا مع نائب في البرلمان حتى ولو كان زعيم عشيرة. سوريا ترى في ذاتها عمقاً عربيا للبنان فهي مدخله الطبيعي على كل الدول العربية، ولكنها لا تحترم مواقف التزلف والترجي. وتاريخ سوريا في تعاملها  مع الزاحفين والمهرولين خلال فترة الوصاية على طريق بيروت دمشق  هي خير دليل.
         خلال إحدى مؤتمراته الصحفية قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم كلاماً معناه أن سوريا ليست دولة طائفية مثل لبنان، واستقبال زعماء طائفيين لبنانيين قد يربكها ويزعجها إلى حد ما ولكنها تقوم باستقبالهم على مضض، ونزولا عند رغبة وإلحاح وإصرار بعض اللبنانيين. والسؤال هو هل هناك أمل في استفاقة الزعماء اللبنانيين،حتى يعودوا إلى رشدهم ويرعوا ويكفوا عن الخروج من جلدهم كلما سنحت لهم الفرصة؟ فالاستمرار في السلطة لا يمكنه أن يحلل كل التصرفات؟ وإذا كان من أجل الاستمرار والتوريث يحلل الزعيم ويبرر لنفسه كل التصرفات، فهل يستفيق الشعب ولو مرة ليؤكد أنه لن يكون كل مرة مطية لتحقيق استمرار الزعامة وسلالتها؟
                                                                                 

 

كاتبة لبنانية
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي