أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عندما تشفق الفريسة على الضباع ... حسن بلال التل

في ظل الاقبال الحكومي المتزايد على الاستحواذ على كل ما يمكن أن يصل الى جيب المواطن من ابيض او احمر، تفقد الحكومة احيانا اتزانها وتبدأ في الإنغماس في نوبات من الافتراس النهم تشبه تلك التي تصيب الضباع عندما تتذوق دما رطبا من فريسة لا يزال بها بعض الرمق، فتصيبها حالة من الهستيريا التي يتخللها الكثير من الصراعات بين افراد القطيع الذين يفاجأ كل منهم بأن الآخر قد اعتدى على حصته من الجثة دون سابق انذار ودون مسوغ من المسوغات والقوانين التي تسود حتى بين الضباع، وتأخذ الهستيريا عادة من الضواري هذه كل مأخذ حتى ان بعضها يشارف على الموت تخمة قبل ان يدرك ان هذه الفريسة كان يجب ان يبقى منها بقية ليوم او ايام تالية.

وهذا هو واقع حال التعامل الحكومي مع جيب المواطن الذي وباعتراف الحكومة هو المصدر الأول والاساس للموازنات الحكومية التي تنفق جلها على بذخ المكاتب، وزيادات الرواتب الخيالية بنسب فلكية، ونفقات رأسمالية تخجل وتخشى كبرى الدول النفطية من انفاقها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: موازنات الهيئات شبه الحكومية التي تزيد عن 2 مليار دينار سنويا, او حوالي ربع الموازنة دون ان تورد قرشا واحدا للخزينة، ومنها نفقات امانة عمان التي بعد ان كانت احد اهم روافد الخزينة اصبحت اهم اعبائها في ظل ان بعض الموظفين بها تصل رواتبهم الى 10 آلاف دينار شهريا، وبعض المستشارين الخاصين بها يتقاضى ما بين 150-200 دينار للساعة.

ومن أبرز الامثلة على هذا النهم الحكومي الهستيري في شفط كل ما في جيب المواطن، هو ذلك الاستسهال غير المبرر من قبل الحكومة لفرض ضرائب جديدة، واختراع رسوم غير مفهومة أغلبها يظهر بعد استكمال المراحل الدستورية للقوانين باستغلال بند يرد في كل القوانين هو: (لمجلس الوزراء اصدار الأنظمة اللازمة لتنفيذ هذا القانون بما في ذلك تحديد مقدار الرسوم والبدلات التي تستوفيها الدائرة في نطاق تطبيق هذا القانون)، هذا طبعا عدا عن الرفع غير المقبول او المنطقي وبشكل عشوائي لمعظم الرسوم والضرائب القائمة، ما يوقع الحكومة كثيرا في مطبات قانونية ودستورية يستلزم خروجها منها مزيدا من المعمعة ومزيدا من التخبط الهستيري، وقد طالعتنا الصحف خلال الايام القليلة الماضية بأمثلة واضحة على هذا الامر منها:
قرار الحكومة بـ(تمرير) ولا نقول اقرار، تمرير قانون الضريبة الجديد على صورة قانون مؤقت، رغم ان النص الدستوري لم يتطرق الى اي مسائل تتعلق بمالية الدولة بمقدار تطرقه ودقته في مسألة الضريبة مؤكدا: (أن لا ضريبة الا بقانون) ولم يقل قانونا مؤقتا لعلم المشرع ان القانون المؤقت هو قانون ضرورة واستثناء وليس في الضرائب ما هو ضروري واستثنائي. ومن الامثلة ايضا ما فرضته امانة عمان قبل ايام من رسوم على تجار الخضار والفواكه تقضي بـ(تدفيعهم) 10 دنانير عن كل طن من الخضار و 15 دينارا عن كل طن فاكهة يتم تنزيله في السوق المركزي رغم انها تتقاضى منهم بدل ايجار وخدمات عن متاجرهم، وهو امر يشبه إلزام المواطن بدفع رسوم بدل استقبال ضيف في بيته، او الزام اي متجر بضريبة على عرض بضاعة قد تنفد وقد تكسد وقد تكون غير مملوكة له اصلا بل معروضة برسم البيع، وهو امر يتعارض مع القوانين التي تعفي المهن الزراعية من الرسوم والضرائب، ومع المنطق الذي يقول ان بعض انواع الخضار في مواسمها قد لا يربح الطن منها كاملا هذه الدنانير العشرة. ومن ذلك ايضا الرسم الذي فرضته وزارة العمل والبالغ 500 دينار على طلبات إعادة الهيكلة للشركات وهو الرسم الاكثر إثارة للسخرية إذ كيف تطلب من تاجر مفلس او يوشك على الإفلاس دفع هذا المبلغ الذي قد يكون كافيا لفك عسرته؟، والاكثر اضحاكا هو تفسير الوزارة لهذا الامر والذي قال ان الرسم ليس للوزارة او الخزينة بل هو بدل مكافآت للاطراف المكونة للجنة النظر في الطلب وأغلبهم موظفون رسميون يتقاضون رواتب نظير هذا العمل!!!

هذه كانت أمثلة ثلاثة من عشرات تزخر بها صفحات الصحف وقرارات المؤسسات الحكومية من قرارات مالية وغير مالية كل منها يناقض سابقه، ويتعدى على نص قانوني او دستوري قائم، ويخلق نزاعات بين المؤسسات الحكومية يشبه ذلك الصراع بين الضباع على جثة الفريسة غير مدركين انهم رغم ان كلا منهم قادر على الدفاع عن حصته من الفريسة ورد المعتدي فإن هذه الفريسة ذاتها غير قادرة على شيء سوى تذكير الضبع (كما أفعل هنا) بأن يترفق بها لا من أجلها بل من اجله، حتى لا تطلع عليه شمس الغد فلا يجد ما ينزع عنه لحما ولا ما يلعق منه دما

(24)    هل أعجبتك المقالة (25)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي