أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

طالب تركي يروي تجربة اعتقال امتدت لأكثر من 21 عاماً في سجون الأسد

لم يكن الطالب التركي "رياض أولار" يتوقع للحظة أن رسالةً عفوية كتبها لأصدقائه يمكن أن تودي به إلى المعتقل ليقضي أكثر من 20 عاماً في زنازين العتمة دون أن يعلم أهله عن مصيره أو مكان اعتقاله شيئاً، هذه هي قصة الشاب التركي الذي قاده حظه العاثر ليدرس اللغة العربية في دمشق فغاب وراء الشمس في معتقلات الأسد بدءاً من فرع السياسية ومروراً بالباستيل السوري "صيدنايا" ليقبع سنوات اعتقاله الأخيرة في سجن عدرا.

وأولار مواطن تركي مواليد 1974 من أسرة متوسطة الدخل. درس الثانوية بتركيا وأحب سوريا -كما يروي لـ"زمان الوصل"- فذهب إليها ليكمل دراسته ويتعلم اللغة العربية التي كان يتقن منها بعض الكلمات المكسرة وبدأ يدرس في معهد للغة لغير الناطقين بها في دمشق منتصف التسعينات من القرن الماضي، حتى تمكن من التسجيل في جامعة دمشق، وكان طموحاً -كما يقول- لأن يكون صحفياً أو كاتباً. وأردف أنه خلال وجوده في سوريا كان يسمع من سوريين وثقوا به بصوت خفيض عن أحداث الثمانينات وعن تدمير مدينة حماة على يد حافظ الأسد وشقيقه رفعت، وحكى له من وثقوا به عن مكان جحيمي يدعى "سجن تدمر" المرعب الذي كان أشبه بمثلث برمودا من يدخل إليه مفقود ومن يخرج منه مولود إلا من رحم ربي، ولم يكن يتخيل -حسب قوله– وجود مثل هذا المكان في زمن الحضارة والتقدم الذي يدعيه النظام، وسمع من أصدقائه كيف أعدم "رفعت الأسد" في ليلة واحدة مئات السجناء العزل لمجرد أنهم عارضوا نظامه المستبد.

وأضاف المصدر أن هذه القصة الصادمة أثرت فيه كثيراً ودفعته لكتابتها في رسالة وإرسالها لأصدقائه في تركيا ليعرفوا ماهي حقيقة النظام الأسدي الذي كان يدعي الصمود ومحاربة الإمبريالية وربى أجيالاً كاملة على هذا الكذب والخداع.


عندما أرسل أولار رسالته التي تمت مصادرتها في البريد لم يكن يعلم أن المخابرات تفتش كل شيء بما فيه خصوصيات الناس وتم اعتقاله في أيار كايو/1996 مع زوجته حينما كانا قادمين من حلب إلى دمشق وتم تغييبه وهو مطمش العينين بقطعة قماش تحت الأرض حيث الظلام يلف كل شيء، وتعرض في بداية اعتقاله -كما يقول- لتعذيب قاس أمام زوجته ومنها الضرب بقضيب السيلكون أو بقضبان معدنية أو أسلاك كهربائية فضلاً عن الصعق بالكهرباء وسكب المياه الساخنة على أنحاء مختلفة من جسده، وكان جلادوه يحاولون -كما يقول- إجباره على الاعتراف بأنه على تواصل مع الأمن التركي. 

بقي الناجي رياض ما يقارب السنتين في منفردة تحت الأرض دون أن يعلم أين هو ليتم نقله بعدها إلى جناح السياسيين في سجن صيدنايا وظل كما يقول 15 عاماً بحكم المفقود وممنوعاً من الزيارات أو أن ينقل أحد أي شيء عنه للخارج،  وعلم بعد الإفراج عنه أن أهله تعذبوا كثيراً في البحث عنه داخل سوريا  ولم يتركوا قسماً للشرطة أو فرعاً للمخابرات للسؤال عنه دون جدوى وبدأ رفاق له بالزنزانة ينقلون أخباراً عنه بالسر حتى علم ذووه بمكان اعتقاله في سجن صيدنايا بريف محافظة دمشق حينها، وكشف المصدر أن شقيقه ذهب حينها إلى السجن سيء الصيت وطلب زيارته فسُمح له برؤيته لدقيقة واحدة فقط  بعد ثلاث مرات من الرفض  عام 2010 أي بعد استعصاء صيدنايا بسنتين، وكشف  أولار أن ضباط السجن قالوا لشقيقه بعد أن زاره المرة الوحيدة إذا عدت مرة ثانية سنضعك مكانه فخاف ولم يعد يزره. 
 ولدى سؤاله إن كان خضع لمحاكمات خلال فترة اعتقاله الطويلة أجاب الشاب الناجي أن هناك مثل سائر في تركيا يقول:"بدها ألف شاهد حتى يقولو عنها محكمة".

وأضاف أن إدارة سجن "صيدنايا" أرسلته مع عناصر إلى بيت عربي وعلم من رفاقه في الزنزانة فيما بعد أنه مركز محكمة أمن الدولة،  وهناك رأى القاضي سيء الصيت "فايز النوري" للمرة الأولى والوحيدة فحكم عليه بالإعدام ثم أنزل الحكم إلى المؤبد  دون أن يعرف سبب الحكم.

وأردف محدثنا أن النوري بدا حينها وكأنه لا يعرف القراءة وكان يتهجى الكلمات تهجية كالأطفال ولم يفهم عليه فحوى الحكم، ورغم جبروت القاضي  النوري وقسوته إلا أنه كان -بحسب المصدر- مجرد رجل كرسي وكانت أوامر الأحكام تأتيه من ضباط القصر الجمهوري ومن مكتب الأمن القومي، ورأى بعينه النوري وهو يخرج الحكم من ظرف مختوم ويقرأه.

وروى "أولار" نقلاً عن الدكتور "أحمد فؤاد شميس" أن المعتقل "مهدي علواني" أحد أبطال الثمانينات كان واقفاً في قفص الاتهام في محكمة أمن الدولة بدمشق وكانت المحاكمة تبث مباشرة على التلفزيون فسأله رئيس المحكمة "فايز النوري" هل كنتم تريدون اغتيالي؟ فرد مهدي بحزم وشموخ: لا ، فقال له النَوري: لماذا ؟ فرد البطل لأنك أنت مجرد صعلوك تافه وحذاء عند رئيسك ليس لك قيمة عندنا، وابتسم ساخراً منه، وهنا فقد النوري صوابه وردد كلمة "إعدام إعدام إعدام".  وتم إعدام علواني مع مجموعة من رفاقه في قلعة دمشق فوراً".

 بعد أن تم نقله إلى سجن دمشق المركزي تمكن رياض من الحصول على ورقة إثبات وجود من السجن وحينها -حسب قوله– علم أنه حُكم بدعوى تواصله مع الدولة التركية واستدرك: كم من الصعب أن تحكم لمدة 15 سنة وتقبع في السجن دون أن تعرف تهمتك وعلى أي أساس حُكمت،  مثله مثل مئات الألوف من السوريين المعتقلين دون  أن يعرفوا تهمتهم أو حكمهم وكان يقرأ الأحكام المملاة عليه بالإعدام ويقوم بطرد المحكوم دون ندم أو رأفة. 

وبحسب منظمة العفو الدولية تفرض سلطات النظام السوري حالة الطوارئ منذ العام 1964 وتواصل الأجهزة الأمنية السورية والمخابرات احتجاز الأشخاص دون مذكرات اعتقال وكثيراً ما ترفض الكشف عن مكان وجودهم  لشهور وربما سنوات طويلة كما حصل مع العشريني -حينها- رياض أولار- وتستخدم التعذيب بانتظام. والمحاكم الخاصة التي تم إنشاؤها بموجب قانون الطوارئ في سوريا، مثل محكمة أمن الدولة العليا التي استبدلت بمحكمة الإرهاب مع العام 2011 وبموجبها تم تحويل ملفات المعتقلين ومنهم رياض إلى المحامي العام الأول  بعد 20 عاماً من الاعتقال التعسفي وتقدم بطلب إعفاء من ربع المدة فتم قبولها بعد 7 أشهر وتم إطلاق سراجه بعدها ليطوي تجربة أليمة لا يمكن نسيانها من حياته.

فارس الرفاعي - زمان الوصل
(30)    هل أعجبتك المقالة (25)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي